• انشر كتاباتك
  • احصل على آراء وتقييم آلاف القراء والكتّاب
  • طوّر مسيرتك الكتابية

سجل حسابك الآن وابدأ رحلة الكتابة!

إنشاء حساب تسجيل دخول
لأجل بلالٍ آخر .. مراجعةٌ في شيفرة بلال ...
لأجل بلالٍ آخر .. مراجعةٌ في شيفرة بلال ...
في داخل كل منا أمية و بلال .. يأخذ منهما ما يحتاجه .. و لكن حذار أن ينقلب بلالٌ إلى أمية في لحظة انتقام و جشع .. أن تسعى للثأر لنفسك فترى نفسك على غرار ما أردت ، ما بين أمية و بلال حائطٌ حاذر أن تتسوره بسلم الغضب الأعمى .

" جذور .. كونتا كنتي .. توبي .. بلال ..أمية " ما بين النفي و الإثبات الهنجعي ، ما الفرق الذي يشكله الاسم لأي شخص في هذه الحياة ، جميعنا لم نختر أسماءنا أو آباءنا  حتى دياناتنا ، ما الفارق الذي سيشكله تغيير الاسم بالنسبة لك ؟!!

كونتا كنتي .. مواطنٌ أفريقي أسود البشرة .. فقط لأنه أسود سُرق و بيع .. تهمته الوحيدة هي جلده .. و حوكم بالاستعباد و الإهانة و الخدمة بعد أن كان أسداً يجول في براري محميته التي ولد فيها " غامبيا " ، وضع في قفص و بيع ثم هرب .. كأي حيوانٍ مسلوب الحرية .. و عوقب بعد الإمساك به بقطع ساقه .

في الحقيقة جميعنا لدينا كونتا كنتي الذي أُسر على حين غفلة منه .. جميعنا لدينا هؤلاء البيض الذي يرون أنفسهم سادة العالم أو أنهم مفوضو الرب .. ليطلقوا الأحكام و يفرضوا العقوبات .. جميعهم لديهم سياطٌ جاهزة لجلدنا دون أي ذنب نقترفه .. جميعنا لدينا سيزيف الذي حوكم بلا سبب بحمل صخرة ضخمة لأعلى الجبل .. لتتدحرج الصخرة للقاع ثم ليعود مجدداً لحملها بشكل عبثي .. جميعنا لدينا بلال بن رباح لذي اُمتُهن أيضاً .. و سُرق منه الشيء الوحيد الذي يعرفه عن والده و هو اسمه رباح ، ليسموه باسم أمه التي أطلقته على  نفسها " حمامة " رامزةً فيه إلى الحرية تاركةً فيه لبلال رسالةً رمزية مشفرة .. كلما نُودي باسمها لم يحزن لأن لفظة حمامة  ستأخذه الى البعيد نحو الحرية .. نحو الحلم  بالفضاء الواسع ، بلال الذي رفض الهوان و أن يعامل أو  يحاكم محاكمةً ظالمةً بلا اثم .. أن يُحاكم بسبب لونه الذي لم يختره .  بلال الذي منذ عرف نفسه عرفها على أنها فقط سلعةٌ مربحةٌ .. بُذرت بداخل أمه لتزيد ربح أمية .. و لكن بلال على رغم عبوديته المجحفة لم يكن ضعيفاً قط ..

أذكر حين كنت في الصف الأول الابتدائي .. كانت هناك صورةٌ في كتاب التربية الإسلامية لرجلٍ أسود اللون مُلقى على رمالٍ صفراء ، على صدره صخرةٌ كبيرةٌ ، يديه و قدميه مكبلتين بالأغلال تعلوه شمس بأشعة و خيوط طويلة حامية و كلمة " أُحُدٌ أُحُد " مرسومة داخل إطار تشير إلى تلفظه بها الدرس الأول و الحق الأول : الحرية و المبدأ الأول قول كلمة الحق في وجه الطغيان .. لم أذكر أني رأيت هذا الرجل - بلالاً - ضعيفاً كنت أراه كبطل قوي يتحمل هذا الأذى في سبيل تحقيق مطلبٍ أو هدف ، عقولنا الصغيرةُ آنذاك لم تكن تعرف التوحيد أو الله ، فقط تراه في سجود الكبار و أدعيتهم .. في حكمة أجدادنا و امتدادهم في الحياة برضًا وتسليم .. إذن ما كنا ندرسه آنذاك هو المبدأ ، الفطرة كانت أقوى من كل شيء .. من سوط أمية .. و من حجارة صغار مكة .. من شمس الظهيرة ومن ثقل الصخرة .. هذه الفطرة رفضت هذا الظلم و العبودية و تساءلت عن سبب هذا العقاب فكان الإجابة هي : الدفاعُ عن مبدأ .. العبودية لا تعني الضعف أبداً .. بلال بن رباح على الرغم من استعباده إلا أنه لم يكن ضعيفاً ؛ لأنه كان قادراً على كتم الإيمان و إرضاء أمية بقول عكس ما يبطن ؛ ليخفف عن نفسه العذاب .. حيث أن النبي -  صلى الله عليه و سلم - قد أجاز ذلك ما لم يخالط القلب .. و لكنه بقولها كان سيُرضي أمية و يجعله يشعر بالانتصار .. كان ديناً جديداً على مكة و على العالم كله ، و لكن بلالاً آمن .. آمن على الرغم من أن هذا الدين لم تُوضع له بروتوكلاتٌ و أو ملصقات لشروط دخوله أو عروضٌ و خصوماتٌ و مميزات موجودة فقط فيه لا غيره ، بشكل أبسط لم يكتب فيه : أن الناس عند الله واحد و أن المساواة بين الناس هي الأصل و أن التقوى المجازي المعنوي هو أساس التفاضل و السيادة .. لم يذكر الدين هذا الشيء الجديد الغريب .. و لكن شيء من داخل بلال .. من بقايا أمه حمامة و من بقايا عالمه .. جذبه لهذا الدين.. إيمانه بأنه يستحق حياةً و معالمةً أفضل .. يستحق حريته و أنه لم يخلق عبداً أو ليكون سلعةً ، شيءٌ من داخل بلال دفعه للاستمرار بقول  : أحدٌ أحدٌ ، دفعه للترنم بهذه الأبجدية التي لم يردد سواها كأنه يستمد منها القوة .. كأنه لم يعرف غيرها .. " سمية و عمار و المقداد بن أسود " ، كانوا أيضاً من الأوائل في الإسلام .. منهم من تلفظ بما لم يوافق قلبه رغبةً في التخلص من العذاب .. و لكن بلالاً رغم لونه و عبوديته و رغم أن لا أحد له ليمنع قومه منه إلا أنه رفض هذا فهانت عليه نفسه  .. و هان عليه قومه فسحلوه في شوارع مكة ليضربه الصبية و يعذبوه .. و لكنه بقي صامداً قوياً .. إلا أن حرره أبو بكرٍ الصديق من سيده .. حرره و هو متوشح بقوته لا بضعفه و بمبدأه الذي لم يحد عنه .. غادر أمية منتصراً حراً تملؤه العزة و الأنفة .. 

بينما أمية يتميز غيظاً ، ليجد أبا بكرٍ بانتظاره ظاناً منه أنه سيده الجديد ، ليفاجئه أبو بكرٍ بشيء لم يكن يتوقعه أو يخطر في باله و هو أنه : رجلٌ حرٌ كأي رجلٍ في مكة ، كما كان في موطنه الأول .. بل كأي رجل بالعالم .. ليجد أن الجميع عبيد و لكن لربٍ واحدٍ أَحَد  .. وحر في الوقت نفسه .. ثم ليصبح من أعظم الشخصيات التاريخية التي تهفو المسامع و القلوب لرؤيتها أو سماع سيرتها العطرة .. ليصبح مؤذن الرسول .. أول مؤذن بالإسلام .. بل أول مؤذن يؤذن بالبشرية .. أي شرف هذا نلته بعد الصبر يا بن رباح لتصبح مثالاً و سيرة يتناقلها الصغار و الكبار .. لتصبح مثالاً و رمزاً يحتذى به ، بل لتعتليَ الكعبة و تؤذن من أعلاها بينما سادة مكة يتميزون غيظاً في جوف الجبال - فتحُ مكة - .. #بلال-بن-رباح .. هو الكلمة المرادفة للحرية .. كان يمكن لكونتا كنتي أن يكون مثل بلال .. يصبر و يصمد و يرفض اسمه الجديد ، يرفض الذل و العبودية و القيد في قدمه .. يقاوم و يحارب لأجل مبدأه و حياته الأولى التي ولد عليها .. و لكن توبي الذي أصبح عليه كونتا .. تخلى في النهاية بعد سوطٍ ألهب جسده فوافق على أن يصبح توبي .. اعتاد على حياته الجديدة مرغماً هرباً من التعذيب و متقبلاً فكرة أن يصبح كالجميع خاضعاً مستسلماً ، لربما كان يرفض هذا في قلبه .. كونتا كنتي ضعُف و استسلم .. هذا الشي يشبه البحث في منجم للألماس تبقى تحفر لأسابيع أو شهور أو لربما لسنواتٍ متتالية .. لا تعرف  ما وراء المعول الذي تضرب به .. لا تعرف أنها الخطوة الأخيرة و أنه لا يحول بينك و بين الكنز سوى القليل من الرمال .. و بعض الدقائق فتتأخر و تتراجع و تترك الكنز لأحدٍ يحفر بوقتٍ و جهدٍ أقل منك ككونتا كنتي ليكمل أحفاده مسيرته و ليعيش هو ما تبقى من حياته يُصارع الفكرة بداخله لربما كان الآن متحرراً يستمتع بأشعة الشمس بعيداً عن الأصوات و الأسواط التي تقطع استرخاءه المسروق،  أو أنك تكمل الحفر فتعثر على كنزك و ضالتك فتستمتع بحياتك و تشعر بذاتك و عظمتك بداخلك فتعيش حراً لباقي حياتك تاركاً الطريق ممهدةً بالكامل لأحفادك كبلال بن رباح .. إضافةً إلى أن عليك معرفة الصخرة التي ستحملها هل ستكون عبثية كصخرة سيزيف ، ترفعها دون جدوى لتتدحرج بسرعة نحو القاع فتذهب أيامك و حياتك بلا جدوى .. أو تكون كصخرة بلال تتفتت كل يوم و تتناثر لتصبح اللاشيء و لتصبح كبالون فارغ لا تزن شيء مقابل القوة و العزيمة .

لاتيشا كذلك حين خرجت من أحد أسوأ الأحياء في أمريكا .. كانت تطمح للأفضل المحدود السقف .. السيس التوقعات .. هربت من ذاك الحي مع بصمة عار تلاحقها .. مع مظلة سوداء تظلل فوقها.. مع شبهات و نظرات تتنظر منها التعثر و الخطأ .. لتبرهن و تؤكد على نظرياتها و الحكايا البشعة في داخلها .. لتبرر عنصريتها تجاهها و بشرتها .. كل هذه كانت موجودة أيضا بداخل لاتيشا ليس لأنها من خلقتها داخلها و لكنها تكونت رغماً عنها .. كانت بخروجها تحاول الحياد ألا تكون بين الأسود و الأبيض أن ترسو على إحدى الضفاف .. مستر ويد كان يحاول إغراقها بالسواد و النظريات المقيتة .. لكن بلالاً و بلال الآخر أخرجاها .. لتُطوِّع و تُخضع " ويد " بصمودها و إيمانها بنفسها و بمحاربة أمية الداخلي بأمية الخارجي ..

جون : أنت كنت أميةً أخرقاً في هذه الحكاية.. تحاول إخفاء ضعفك بإخراجه على الآخرين .. تخفي ضعفك تحت غطرسة ميتةٍ من البداية .. انتهت فيك القصة بكسر أنفك .. و لكن لديك الوقت لتتغير .. لتصبح أفضل .. ليصبح فيها الصغير بلالاً الذي عذبته بإهاناتك وغضبك الخائف شمعةً تنير لك العتمة لتختار الطريق الصحيح هذه المرة .. بلالٌ أصبح ميتا في صبيحة الأحد .. و لكنه على يقين بأنه سيبعث في صبيحة أَحَدِ تَخرُجِكَ حين تلقي كلمتك و توجه الشكر لروحه التي أنارت لك الطريق .. بلال هنا لا و لم يفكر هكذا لأنه يرى نفسه ضحية .. ليس هكذا على الإطلاق .. بل لأنه رأى في نفسه أنه منتصر عليك و على غيرك .. كما يرى أنه مثال يحتذى به في محاربة السرطان .. و لا يمكن للضحية أن تكون قدوة إلا لمن أراد تمثيل هذا الدور ...

 أمجد تمرد على الدين فجاء الدين من داخله ، لأن لم يره الدين كوسيط روحاني في الكنيسة .. هو لا يريد أن يركن للدين ليعلي من شأن نفسه و ينقذها من العنصرية الأوروبية الأمريكية السائدة نحو العرب و من كريستين المتسلطة .. يريد أن يركن إلى نفسه ليحررها من هذا .. و لكن هذا الإيمان .. القوى الخارقة .. ما وراء الطبيعة .. هو متكأ لكل من نهشته الدنيا بقسوتها و عنصريتها .. أنا أيضا أفكر بذات الطريقة و لكن  بشكلٍ آخر .. بشكلٍ أقوى من الضعف الذي لا يريد أمجد أن يواجه به نفسه .. أنا أيضا أطمح للحرية .. للشمس المشرقة و أشعتها الممتدة في الأفق .. للطير و التحليق على أجنحة الحرية مستمدة قوتي من إيماني بالله .. لأنه لولا إيماني بالله لما وُجد إيماني بنفسي .. لأن لكل شيء في هذه الحياة مرجعية .. و أساس و أصل لنشأته و وجوده .. هناك بذرة داخلنا بذرة قوى خارقة .. كبذرة الطاقة التي تمد أجسادنا بالقدرة على الحركة ..عن طريق إمدادنا بالطعام و الشراب .. كذلك هي بذرة القوى الخارقة .. تستمد وقودها من الإيمان بالله بدون حاجة للمسها أو السير لمسافات لجلبها .. كلا البذرتين تُنتج مخلفاتٍ : إحداها نطرحها للخارج كفضلاتٍ نتنة و الأخرى فضلات كخلايا سرطانية خبيثة .. لتحل مكانها خلايا طيبة .. تُزهر داخلنا لنطرح بدورنا ثمارها .

أستذكر هنا عبارة كنت قد قلتها في نقاش مع أحدهم ، حين أخبرني بأنه ليس ذو فضلٍ عليّ ، وبأني أثرت به حين أراد التأثير بي.

حسناً : سنينٌ مرت و الآن بتُ أصدقه ، و أذكر أني أخبرته : " بأن الناس خُدّام بعضهم و إن لم يشعروا " من منا لا يحتاج الآخر ، من منا يستطيع العيش بمعزلٍ عن حضنٍ دافئٍ يستمد منه القوة و الأمان ، و لكن مع هذا لا تركن إلى هذا الحضن و هذا العناق الدافئ لأن مصيره سيؤول إلى الإنفصال و الفراق . في داخل كل منا أمية و بلال .. يأخذ منهما ما يحتاجه .. و لكن حذار أن ينقلب بلالٌ إلى أمية في لحظة انتقام و جشع .. أن تسعى للثأر لنفسك فترى نفسك على غرار ما أردت ، ما بين أمية و بلال حائطٌ حاذر أن تتسوره بسلم الغضب الأعمى .

لأجل بلالٍ آخر ، حارب و اصمد بيدك الاختيار و لديك جميع البدائل أن تكون : توبي - كونتا كنتي - سيزيف أو لتكون بلال .. القوة تنبع فقط من داخلك .. لا تتستمع للمعرضين أو الدبلوماسين السلبين .. الخائفين و الواجفين الذين يسيرون بجانب الحائط و الذين يضعون رأسهم بين العديد من الرؤوس خادعين أنفسهم بأن العقاب سيكون أقل وطأةً عليهم عند مشاركته ، برأي : لا أحدَ مضطرٌ لأن يتحمل شيئًا لم يفرضه الله عليه .. لا أحد مضطر لأن يخضع لقوانينٍ بشرية محجفة و ظالمة .. لقوانين أشخاصٍ لا يفرق بيننا و بينهم سوى التقوى .. هي حياةٌ واحدة من ضمن حيواتٍ كثيرة وُجدنا فيها و انتقلنا منها لننتقل إلى غيرها ، كن فيها لنفسك كل شيء و عشها بعزة و كرامة .. تعلي فيها مبدأً يكون نبراساً يضيء لغيرك الطريق و مثالاً رائعاً يحتذى به .

يقول الله تعالى في كتابه العزيز : " يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ " .


114
0
0

Anonymous {{ comment.name }} {{ comment.date }}
{{ comment.text }}
Anonymous {{ sub_comment.name }} {{ sub_comment.date }}
{{ sub_comment.text }}