• انشر كتاباتك
  • احصل على آراء وتقييم آلاف القراء والكتّاب
  • طوّر مسيرتك الكتابية

سجل حسابك الآن وابدأ رحلة الكتابة!

إنشاء حساب تسجيل دخول
الى صاحبة طلب اللبنة مع حبة البركة
الى صاحبة طلب اللبنة مع حبة البركة
هي وأنا، والعجوز الشمطاء ..

٢٢ اغسطس من العام الأول بعد عام المرض، الساعة الثانية فجراً.

الى الفتاة التي طلبت اللبنة مع اضافة حبة البركة، مساء الخير جداً.


كنا قد تقابلنا منذ مُدة ليست بالطويلة، او قد تكون كذلك، لم أحصي الأيام لأنني أعلم بأننا لن نلتقي مجدداً، الحياة ليست بهذه البساطة لنلتقي مجدداً، يا صاحبة الشعر الأشقر نحنُ لا نعيش في داخل فيلم هاليوودي لتبتسم الحياة لنا ونسطيع أن نصنع قصة جميلة، أو على الأقل لقائنا كان في سوبرماركت، لم يكن في المكتبة !.


كانت ملابسي ليست على ما يرام، كان الوقت متأخر فعلاً وكان ذلك عند عودتي الى المنزل، بتلك الملابس المتسخة بسبب أعمال النجارة لم اكن انوي أن اقصد السوبرماركت، لكن شيئاً ما بدخلي - وهي معدتي بطبيعة الحال - كان يطلب اللبنة، توجهت الى السوبرماركت وإلى قسم الألبان فوراً، وجدتكِ هناك، كُنت تنتظرين دوركِ كما أنا أتيت لأفعل، وكانت تسبقنا عجوز شمطاء ومتمردة، كانت تطلب مِن كل وعاء غرفّة، تمادت كثيراً وإنتظرنا كثيراً، تحدقين إلى لؤمها وأنا احدق إليكِ، فقدتِ صبرك قليلاً واتذكر جيداً تلعثمك باللغة الإنجليزية حينما توجهتي إلى العامل البائع الوحيد المسكين وسألتيه : there is no one here helping you ؟!، وأتذكر اكثر تأنيب الضمير الذي اعتلاكي فور انتهائك من هذه الجلمة التي وجهتيها الى ذلك المسكين.


بالمُناسبة، ملابسُكِ ايضاً لم تكن بأحسن حال، بنطال اسود كلاسيكي، يعتليه لباس ضيق مُخصص لما قبل النوم في المنزل، لكنك اخفيتيه بقميص مُقلم واسع حتى لا يُضهر مفاتنك، هذه المجموعة من الأقمشة كانت تبيّن وبشكل لا شك فيه بأنكِ أتيتِ مُرغمة الى السوبرماركت، وتؤكد أيضاً بأنك تعيشين وحيدة في شقة صغيرة في الجوار، وحيدة لأنك هُنا ليلاً، لعل سبب قدومك هو انقطع مخزون الماء فجأة، أو انكِ اكتشفتي بأنك لا تمتلكين حبوب "جرانولا" بشكل كافي لصباح الغد، لأن العربة كانت تفيض بهذه الحبوب.


كنتُ اقف وأتأمل مشترياتكِ بكل فضول ووقاحة، نعم وقاحة فهذه حرية شخصية بحتة، حتى أنا الشخص الودود لا اطيق أن ينظر غريب بلباس مُتسخ على مشترياتي.


حان دوركِ، بعدما أن أتى شخص آخر ليساعد البائع، طبعاً لأن العجوز الشمطاء لازالت مُحتارة أي نوع من الزيتون ستختار، وهل الاسود افضل من الأخضر ام العكس ؟ وهل اذا كانت الحبة كبيرة ستكون اكثر مرارة ؟ .. سيدتي ؛ انا اقول للبائع الذي تفصل بلادي عن بلاده عشرات آلاف الكيلومترات، وأختلف معه في المعتقدات والديانات والمناخ والتفكير واساسيات الحياة وأقول له أن يضع لي زيتون " على ذوقه "، حتى انتهي سريعاً من هذا الاختيار، تباً لازلتُ إلى لحظة كتابة هذا النص أحقدُ عليها.


البائع : "تفضلي" ..

انتِ تقومين بلفتة سريعة علي أنا، أرى فيها عيناكِ الزرقاء للمرة الأولى، وكأنها كانت خجلاً تقول لي "اطلب انتَ اولاً"، لكن لسبب ما - الوقت، ملابسي، شعري المتجعد، العجوز الشمطاء، وعاء اللبنة الذي اوشك على النفاذ - اخترتي أن تتنازلي عن هذا الكرم حالياً وطلبتي منهُ قائلة : "نص كيلو لبنة لوسمحت !".


هل تعرفين ما معنى أن يسمع يائس ذو ملابس رثة في آخر ساعة من الليل بعد نهار مُتعب كلمات لبنانية من شخص يمتلك هذا القدر الأكثر من الكافي من الجمال كان يحدق اليه في الخمس دقائق الفائتة ؟ .. كانت كلماتك كالزلزال نزلت وصعقت وجودي، لم استطع الشرود بعد الآن، كيف لنظرة سريعة وعدة كلمات قصيرة أن تفعل بي كل هذا في ذلك الوقت ؟! لعنتُ هذا الوباء مئة مرة لأنه جعلكِ ترتدين القناع ولم استطيع أن أرى ذلك الوجه بشكل كامل.


إنتهى البائع من تعبئة اللبنة، توجهتِ اليه قائلة : " حطلي عليها حبّة البركة، كالعادة .." ؛ كالعادة إذاً، أنتِ تأتين الى هُنا بشكل دوري، وهذا طلبُكِ المعتاد، منذ متى وانتِ تأكلين هذا المزيج ؟ هل هو لذيذ يا ترا ؟ هل هو صحي ؟ لطالما أخبرونا بفوائد حبة البركة لكننا لا نجدها في طعامنا دائماً، الكمية التي طلبتيها تأكد لي بأنكِ تعيشين وحيدة ايضاً، النصف كيلو، هذه دلالة جديدة.

 

لسبب ما، وقبل أن تذهبين على حين غرة، قلتُ للبائع بصوت جهوري قليلاً خجول بسبب شكلي الخارجي : " وأنا كمان بدي نص كيلو لبنة ". كنتُ اود ولسبب اجهله أن تعلمين بأننا أنتي وأنا نتشارك اللهجة اللبنانية ذاتها، نتشارك الوطن نفسه الذي هربنا منه خوفاً على مستقبلنا الضائع هناك، انا لازلتُ اهرب منذ ٢٦ عاماً، أنا اصلاً لم أولد على أرضه.


أنتظرت رحيلك حتى تحدثتُ قليلاً مع البائع عن حبة البركة، وهل هي فعلاً مفيدة الى هذا الحد ؟ وهل عندما نضعها مع اللبنة تُعطي مذاق جيد ايضاً ؟ اقنعني بها وأنا لم اكن بحاجة لإقناع بعد رؤيتك تطلبينها، وقال لي بأنك تطلبين هذا الطلب دائماً، فطلبتُ منه على الفور أن يضيف حبة البركة على الصحن.


توجهتُ مسرعاً خجلاً من ملابسي إلى المُحاسب، كانت لا تزال العجوز الشمطاء تشتري، قلبي مع ذلك البائع المسكين، ذهبتُ الى قسم المحاسبة السريعة لأنني لا امتلك الا صنف واحد فقط وهي اللبنة مع حبة البركة، خطفتُ نظرة قريبة فوجدتك في القسم الذي يليني، لم تريني وعلى الأرجح لم تنتبهي لوجودي. 


ذهبت إلى سيارتي، وإنتهينا في هذا الوقت. 

لم نتهامس، لم أسألك عن اسمك، لكن لاحقاً سألت اصدقائي اللبنانيين، وسألت أصدقاء اصدقائي ايضاً لعل أحداً منهم يدلُني إليكي، كانت المُعطيات شحيحة، شقراء طول مُعتدل زرقاء العينين تعيش وحيدة قريبة من هذه المنطقة.. لا جواب كافي ولا دليل او حتى اشارة إلى من أنتِ.


هل كان حلم ؟ ماذا عن اللهجة اللبنانية ؟ البائع المسكين وحبة البركة ؟! تعابير وجهك الغاضبة من العجوز الأنانية، لازلتُ اذكر ..


إذا كُنتِ حقيقة فعلاً، جُل ما اتمناه أن تكوني بخير، وأود أن اشكرك على هذا الطعم الرائع طعم اللبنة مع حبة البركة، أتمنى أن تبقي بروح جميلة وأن تتحنني على البائعين دائماً، إبتسمي للمارة، ما خلق الله الجميلة الا لتزهو بجمالها، الإبتسامة تهب حياة ..


- كتب أحمد بريطع

- حقوق الصورة محفوظة لصفحة ايلوثيريا على الإنستقرام. "وتشرب من فنجانك، واشرب من عينيك"


11
0
2

Anonymous {{ comment.name }} {{ comment.date }}
{{ comment.text }}
Anonymous {{ sub_comment.name }} {{ sub_comment.date }}
{{ sub_comment.text }}