• انشر كتاباتك
  • احصل على آراء وتقييم آلاف القراء والكتّاب
  • طوّر مسيرتك الكتابية

سجل حسابك الآن وابدأ رحلة الكتابة!

إنشاء حساب تسجيل دخول
كيفَ علَّمتني الرِّياضيَّـات أنَّ 1 + 1 = 3 ؟
كيفَ علَّمتني الرِّياضيَّـات أنَّ 1 + 1 = 3 ؟
هكذا علَّمتني الرِّياضيَّـات..!

عندما كنتُ في الصّفوف الابتدائية الأولى، لم أكُن أعرِفُ سبب إعطائِنا مادّة الرِّياضيَّـات في المدارس، أجهل تمامًا كُل الأسباب المُوصِلة إلى هذا الهدف سِوى أنني يجب عليّ أن أعرف عدد التفاحات التي أُكِلَت، والكُرات الحمراء والبيضاء داخل مجموعة من السِّلال، وواجبي البيتيّ هو تلوين مجموعة العصافير التي تُعبِّر عن الرقم ثلاثة أو خمسة.

 في المرحلة المتوسَّطة  تذمّرتُ جدًا من كون هذه المادّة في المناهج الدراسية لا تزال تُعطَى ولها الحَظُّ الأكبر من الاهتمام وسطوتها على حصص الجدول اليومي عن دونها من المواد والحِصص؛ أعني حِصَّة الرياضة اللذيذة مثلًا، أو الحاسوب المُمتِعة أو حَتّى درس الأحياء اللافِت للانتباه بمواضيعه المُهمَّة عن مُستقبلنا نحنُ كَشباب مُراهقين.

ومع تدافُع الأيام والسَّاعات أصبحت هذه الحِصّة بالنسبة إليّ أشدُّ مقتًا من الضَّرةِ على ضَرَّتها .

وما أبرحُ أن أطرح الأسئلة المُهمَّة على الأساتذة وزُملائي الطُّلّاب ولا أجدُ ما أشفي بهِ صدري، وأُوسِّع لأجله مداركي الضَّيِّقة آنذاك:

 لماذا نأخذ هذا الموضوع؟ ماذا سنستفيد منه في حياتنا اليومية؟

لماذا عليّ أن أعرف قيمة

 (الپاي والجيب والجتا) وأنا في يومي كُلّه لا يهمني منها شيء سِوى جمع عدد النقود في جيبي كم تُساوي أو طرحها لمعرفة كم يَبقى لي منها!  

وشرُّ البليَّةِ ما يُحزِن ويُضحِك في آنٍ واحد أنني ومن فَرْط ما كنتُ أجدُه من هذا العذاب اليومي؛ أتخيّل ذاك الشخص واضع هذا العِلْم لا يزال حيًّا فأُسارِعُ حتّى أعرفُ مكانهُ وأبلغهُ وأفعلُ بهِ وأهتِك، وأعزِمُ على إنهاكِهِ ضربًا وأتلذذ وأنا أراهُ يتعذب أمامي هكذا، ومن ثُمّ يموت على عينٍ منّي ويشفِ الله صدري، وأرتاح من كُل هذا الخِزي والمَقت!

لا غرابة؛ لأنّ "الجاهل عدوّ نفسه"، فكيف يكون للآخرين!

وصلتُ اليوم إلى مرحلة الثانوية العامّة؛ وأُجبِرتُ مَصغورًا أن أُعايشَ  الرِّياضيِّـات بكامل حذافير المادَّة، وأخذتُ أجمعُ من هنا وهناك، وأبحثُ في هذا وذاك، وأسعى أكثر وأكثر حتى أصل لحل مسألة مُعيَّنة أو معرفة سبب وجود سالب معيّن في مُعادلة ما؛ وبعد ذلك تيقّنت -مُتأخِّرًا مع أسفي- أنّ الرِّياضيِّـات لا يَقتصرُ على جمعٍ وطرحٍ وجيبُ زاويةٍ أو جتاها، وأنهُ ليس فقط كومةٌ من التعابير الحسابيَّة تعالَموا علينا عُلماء الرِّياضيَّـات بإيجادها لنا، بل إنني وجدتُهُ منهجًا نستطيع إسقاطَهُ على حياتنا اليوميّة ومُشكلاتنا العَصيبة وعلاقاتنا السَّقيمة وحوادِث أيَّامِنا وأحوالنا مجموعةً، وجدتُهُ يُسهم في تدريبنا على مُرونةِ تعاملنا مع الأشياء الكثيرة من حَولنا وأمور كثيرة فوق إدراكنا تمامًا، أيقنتُ تمامًا أننا نستطيعُ بهذه المنهجية الاتّكاء على أُسُسٍ مُشتركة لِأجل إيجاد الحلول المُناسبة للمُشكلات المُناسبة وطرح البدائل تجاوزًا من أجل تحقيق هدف مُهم، وإمكانية تقبُّلنا للآخَر والاتفاق معهُ حَتّى وإن كانت وِجهةُ نظره تختلف عن وجهة نَظري طالما كِلانا يصل لنفس النُّقطة ولكن بِطُرق مُختلفة الاتجاهات.

كيف كُل هذا؟! 

دعني أُخبركَ ما أقصده: عندما نشرَع في حل مسألة فإننا أمام مُشكلة يجب علينا أن نصل إلى حل يُرضي جميع الأطراف، فتُرانا نبحث عن أدَقّ التفاصيل في المسألة (المُشكلة) لنتمكّن من الحكم عليها سواء من ظاهرها أو بسبب شيء ما وُجِدَ فيها فأشار علينا بموضوعِها، ثُم نأخذ بطُرُق الحل المُختلفة مُتنَقِّلين هُنا وهُناك بهدف الوصول لنفس المُراد (الحل)، وأننا في هذه المسألة يجب علينا أن نسير على قوانين مُقيِّدة حَسْبَ مَعالِم هذه المَسألة، فمثلًا المُعادلة التربيعة الكاملة تختلف عن الفرق بين مُربّعين في الرِّياضيَّات -حتّى وإن تشابهت في بعضِ ظاهرها-، ومساحة المُربّعِ مثلًا آخرًا؛ فقد تختلفُ مساحتهُ عن مساحة المُكعب وهكذا بين المُعادلات فَقِس.

حتمًا يقودنا هذا المَنهج إلى أنَّ "لكُلّ مقامٍ مقال" في تفاصيل حياتنا وعلاقاتنا، وأنَّ لِكُل مُشكلة حلول تليق بملامحها وأسبابها -بغضّ النَّظر عن مُختلف الطُّرق المُؤدَّية إليها-. 

ولو تأمّل الواحدُ فينا لوَجدَ أنَّ هُناك مسائل رياضيّة لا تحتاج لبُعد نَظر، فيمكنك وضع القانون والتطبيق عليه مُباشرةً، وهُناك مسائل -على عكسها تمامًا- تحتاج منك لخبرات سابقة ودقّة في المُلاحظة وفِقه في فَهم المَسألة (المُشكلة) وتمحيصها على أكمل وجه  حتى تخرُجَ بحلٍّ صحيح صائب يُرضي الأطراف جميعًا . 

ونُلاحظ حقًا أنَّ هذه المادّة تُدرِّبُنا على تقبُّل رأي الآخر

 (اختلاف طُرُق الحَلّ)، فنجد أنّ الأُستاذ فُلان يَحل المسائل على طريقةٍ مُعيَّة، وفُلان يُبدع في طريقته الخاصّة، ولكن جميعها طُرق صحيحة تُؤدي إلى الحل المَرجوّ ذاته، من غير تزمُّتٍ أو تَعصُّبٍ لرأيٍ أو مَذهبٍ في هذا العِلْم المَفتوح جدًا كَما حياتنا كلّها.

وبصورةٍ أو بأُخرى تُلمِّح لنا الرِّياضيَّـات أنَّ الاختصار في الحُدود الجبريَّة وسيلةٌ لنهايةِ حلّ المَسألة كما في العلاقات الاجتماعية، فاختصارُ الرسائل والمُقابلات والاجتماعات مع (سين) من الأشخاص هوَ بدايةُ نهاية العلاقة والوصول لحل يُرضي أو يُسخِط أحد الطرفين.

وأنَّ السالب مهما عَلَت منزلتهُ العدديَّة يبقى سالبًا، والواحدُ المُوجِب أكبرُ منهُ منزلةً  بِرُغمِ قلَّة حجمه ودُنوّ مكان تواجده؛ كذلك الناس مهما عَلت وَزارَتُهم و كراسيّهم وَعلَت مكانتهم وهُم فاقدون للأمانةِ والنخوة وطيب الأصل؛ يبقى الخَيرُ في الأشخاص البُسطاء أصحاب المعادِن على حَقارَةِ ظاهِرهم أمام الجمعِ الغفير من العقول التافهة السائدة في المُجتمع.

وأنّ المُتغيِّرات المُتشابهة إذا ضُرِبَت ببعضها جُمِعت قُوّتها وإذا قُسِّمَت قلَّت، كَمثل الأشخاص الإيجابيين كُلَّما تَضارَبت آراؤُهم (مهارة العصف الذهني) في نواح مُجتمعيَّة مُهمَّة كُلَّما ازدادت قوّتهم وارتفعت طاقتهم شيئًا فشيئًا ولو تقلّصَت هذه النماذج في المُحيط ضَعُفَت القوّة وتشتّتَ البأسُ.

وغير هذا كثير جدًا يطولُ المَقامُ لذكره مرةً واحدة ، ولكن هذه المادَّة درَّبتني أيضًا أن أصِلَ إلى هدفي بأقلِّ جُهدٍ مُمكن، وأقصَر طريق مُوصِلٌ إليه، وأرجو أن أكون قد أوضَحتُ جُزءًا مِمّا خَلَجَ في صَدري بعد التفكُّر في عدّة مسائل رياضيّة في المِنهاج ورَبطِها بواقع الحياة والعلاقات. 


12
0
8

Anonymous {{ comment.name }} {{ comment.date }}
{{ comment.text }}
Anonymous {{ sub_comment.name }} {{ sub_comment.date }}
{{ sub_comment.text }}