• انشر كتاباتك
  • احصل على آراء وتقييم آلاف القراء والكتّاب
  • طوّر مسيرتك الكتابية

سجل حسابك الآن وابدأ رحلة الكتابة!

إنشاء حساب تسجيل دخول
قواريرٌ متصدعة .. غُول اليتامى
قواريرٌ متصدعة .. غُول اليتامى
لقد سرقوا حامد مني رغبة في الثأر لرفضي إياهم ، بكيت كثيراً و ركضت حافيةً وراء حبيبي و طفلي حامد ، و لكنهم حرموني إياه كل يوم كنت أسرق ساعة من النهار للالتقاء بحامد خفية في إحدى الأزقة الخلفية ، اعطيه كل ما وقعت عليه يدي ، أقبله و أشمه لأدخر رائحته داخلي ؛ تعينني على هذا البعد الظالم و الحياة المرة ...

كم تمنيت أن يكون هناك غولٌ يأخذ حق اليتامى ممن اضطهدهم ، هذا الشيء بدأ حين سردت علينا جدتي حكاية ابنها اليتيم المكلومة به " حامد " ، تروي جدتي الحكاية بدمعٍ ساخن يجري على وجنتيها المتجعدتين فتقول : " كنت ابنة ثلاث عشرة سنة حين أخذني والدي إلى القاضي ، كنت أظن أننا خارجون في نزهةٍ كالمعتاد ، ربما إلى الحقول لقطف البرتقال أو إلى السوق لابتياع القليل من الحلوى المحلية المصنوعة بأيدي نساء القرية ، و لكني فوجئت أني أجلس أمام القاضي و شيخ القرية ، خفت كثيراً و أصبح لوني شاحباً ، هل علموا أني كنت مع صديقاتي أسرق التفاح من حقل الجار و لكني صغيرةٌ جاهلةٌ بالأحكام ، و لكن المفاجأة كانت أكبر حين فُتح الباب و دخل رجل عشرينيٌ مع أبيه و جلس بالقرب مني و شيخ القرية يقف مقابلنا .

_ أنت ياحليمة بنت حسن هل تقبلين بإسماعيل بن محمد زوجاً لك ؟

أصابني الوجوم و ارتسمت على وجهي علامات البلاهة ، فقلت بكل  براءة : لا ، أنا لا أريد الزواج .. أريد أن ألعب بالحقل و أركض عند حافة المجرى .

حالة سكوت و صمت أصابت الجميع ، نكزني والدي بخفية في ظهري ، فأدرت وجهي و قلت : يا سيدي القاضي ، أنا صغيرة و مالي بالزواج حاجة ، يرضيك أتجوز و أنا طفلة .

و خرجت أركض لا ألوي على شيء ، حتى وصلت إلى بيتنا الطيني ، اختبأت في حضن أمي .

_ أمي أنا لا أريد الزواج ، لازلت صغيرة .

دفعتني أمي بعيداً و بقوة و هي تصرخ : ستتزوجين قسراً ، تظنين نفسك طفلة صغيرة ، سيكون لك بيت و زوج و ترزقين بالأولاد.

أخذت أبكي و أنوح بمأساة و تراجيديا عالية المستوى ، قطع أبي هذا المشهد كان يزمجر كالريح العاصفة ، يبرق و يرعد ، تصلبت مكاني حين رأيت الخيزرانة في يده ، عصاةٌ لا تضرب بها حتى المواشي ، أتاني الضرب من كل حدبٍ و صوب ، كل هذا و أنا أصرخ و أستنجد ، تهمتي أني فضحته في القرية أمام المعارف و الجيران ، نمت كالذبيحة كأني لن أستيقظ أبداً ، بعد يومين حين بدأت جراحي تلتئم أخذني أبي مجدداً إلى القاضي ، حين وصلت قلت له:  بعرضك يا سيدي الشيخ جوزني أنا بدي أتجوز ، لم يتمالك الجميع نفسهم و ضحكوا حتى دمعت أعينهم .

عقد قراني و لبست الثوب الأبيض و أنا لا أعرف ما أصابني ، أصبحت امرأة متزوجة حاملة بطفلها الأول ، أستيقط في الصباح لأعد الفطور و أغسل الثياب و أعد الغذاء و أشاهد الأطفال يلعبون في الكروم ، حياة روتينية ، كل يوم يشبه اليوم الذي قبله ، يخرج إسماعيل للعمل و يعود في المساء ليجلس معي و عائلته ، كان إسماعيل أطيب رجل شاهدته  في حياتي ، حتى أنه أفضل من أبي .. كان طيباً حنوناً ، رقيق المعاملة لا ينهرني و لا يصرخ علي ، كنت أخاف من هذه السعادة أخاف أن يحصل شيء ، مضت الشهور سريعاً ، لأسمع صرخة طفلي الصغير " حامد "  كم كانت أياماً جميلة،  أصبحت و إسماعيل و حامد لوحة عائلية صغيرة سعيدة ، آه و لكن كيف للسعادة أن تدوم ، كان شهر أيار ، شهر النكبات كلها دخل اليهود البلاد عنوة و سرقوها و خرجنا من بلادنا مطرودين تلاحقنا خيانة العرب .

استقرينا في ( غزة الرملية ) ، و أنشأنا بيوتاً إسمنتية بعدما سكنا الخيام و سكنتنا ، شهور مرت علينا نعاني برد الشتاء و حر الصيف ، نقتات من المعونات الغذائية التي تقدم لنا ، كفيلة بإبقائنا على قيد الحياة بشكلٍ مشروط ! ، الحزن و الأسى اعتصرنا بلادنا نهبت و سرقت أصبحت مرتعاً للخنازير و القردة ( اليهود ) .

في صبيحة يوم الإثنين أخبرني إسماعيل أنه يود العودة لقريتنا ، ليأخذ غرضاً مهماً قد نسيه ( ورقة الطابو ) التي تثبت ملكيتنا لبيتنا و أراضينا المنهوبة ، كان يشعر أن المدة ستطول و لكنه كان مؤمناً أننا سنعود كما أنا مؤمنة اليوم .

مرت ساعات طويلة على خروج إسماعيل مضى النهار كله ، و أخيراً عاد إسماعيل .. عاد محمولاً على الأكتاف ، يحفه الرجال من كل جانب ، من أمامه و خلفه و عن يمينه و شماله ، لغمٌ زرعته أيدي الأعداء كان كفيلاً بإنتزاع روحه و تناثر أجزاءٍ من جسده الطاهر ، فقط تبقى وجه الوضّاء ، ذهب إسماعيل و أصبحت أرملة لطفلٍ في السادسة من عمره .

أيام الحزن طويلة ، طويلةٌ جداً ، عدت لبيت أبي بطفلي ، لا أعلم كم كان عمري و لكني كنت شابة صغيرة ، أهل إسماعيل أرادوني قبل ابنه امرأة شابة جميلة ، رفضت الزواج و لكني تزوجت لاجئاً آخر من قريةٍ أخرى ، " جابر " هو الزوج الثاني أٌبٌ لثلاث بنات مع زوجةٍ ضخمة الجسد طويلة القامة .. عريضة المنكبين .. كنت في عمر بناتها ، أسوأ شيء أصابني بعد استشهاد إسماعيل هو الزواج بجابر و عائلته ، بعدما أخذت عائلة إسماعيل ابني مني ، بحجة أنه ذكرى ابنهم المرحوم ، و الحقيقة أنهم لم يحبوا إسماعيل يوماً ، سرقوا حامد مني رغبة في الثأر لرفضي إياهم ، بكيت كثيراً و ركضت حافيةً وراء حبيبي و طفلي حامد ، و لكنهم حرموني إياه كل يوم كنت أسرق ساعة من النهار للالتقاء بحامد خفية في إحدى الأزقة الخلفية ، اعطيه كل ما وقعت عليه يدي ، أقبله و أشمه لأدخر رائحته داخلي ؛ تعينني على هذا البعد الظالم و الحياة المرة ، نبكي سوياً و يستخدم هو البكاء حجة لإخفاء الألم الذي يخلفه الضرب على جسده ، كان أعمامه يضربونه كثيراً ، يتيم بلا أب .. سرقت الحياة أباه و هم سرقوني منه ، يغني لي بصوته الصدّاح ، فيجتمع الناس و يصرخون مهللين له ، فأشعر بالزهو و الفخر و أدور بين الناس لأقول لهم : حامد ابني أنا ، تفاحة عمري المسروقة ، يحل الغروب فأهرول للبيت مسرعةً خوفاً من بطش زوجي و زوجته و بناته .

بطني انتفخت و أصبحت في الشهر السابع ، أهرب كل يومٍ لحامد ، إلى أن أتى ذاك اليوم المشؤوم ، كنت أتحضر لرؤية لصغيري و أعد له النقود التي ادخرتها ليشتري له حذاءً كأبناء المدينة ، حاملةً في يدي ورق العنب الساخن ، لم آبه بصراخ ضرتي المتصاعد ، يجب أن أوصل الطعام ساخناً لولدي ، كنت أهم بالخروج لولا صوت الباب الذي كان يُطرق بشكل مجنون ، حزنت كثيراً ظننتهم اليهود جاؤا للتفتيش و لإقامة الطوق ( منع التجول ) ، و لكنها كانت أمي تلطم وجهها و تصرخ : ذهب حامد ، يا حليمة حامد ذهب لحق أبو يا حليمة .

- وين راح ، شو رجعو للبلاد ، اليهود راح يقتلوا ؟! ، أنا رايحة أرجعو و رح أضربو كمان .

- يا حليمة حامد مات ، عمامو قتلوه ...

الدنيا كلها توقفت .. عقارب الساعة تعطلت ، لا يمكن للزمن أن يسير بلا حامد ! ، سينتظره إلى أن يفتح عينيه ، حامد ولدي .. حبيبي فلذة كبدي و قرة عيني ، قوم يما .. قوم يا حبيبي ، هي المصاري جبتهم لنشتري يما جزمة ، و هي جبتلك ورق العنب كمان ساخن ...

أخرجني الأطباء قوة و سحباً خارج الغرفة ، كان هناك رجلان من الشرطة ، مرت الأيام سريعة .. خانت الأيام و الفصول حامد كما خانت إسماعيل ، أجلس بجوار قبريهما صامتةً إلى أن تأتي أمي لترجعني لمنزل زوجي ، حتى في الحزن لا تأخذ المرأة حقها ، لا يجب أن تطيل الحزن أبداً !!

دمع عيني جف و لم تجرِ بعد حامد إلى اليوم ، خانتني عيناي أيضاً ، توقفتا بعدك يا حامد . مات حامد بعدما تسمم جسده من الدم المتخثر من أثر الضرب ، الشرطة هناك كانت تسأله قبل موته : من كان يضربك ؟ ، كان خائفاً ، فيقول : سقط عن الشجرة .. يظن أنه لن يموت .. يظن أنه سيعيش و سيضربه أعمامه مجدداً إذا تكلم و أنا ألجمتني أمي و وزوجي بقوة ...

داهمني المخاض على غفلةٍ مني و وضعت طفلي الثاني بعدك يا حامد ، " صابر " هو أخوك الصغير ، أسميته صابر لكي أتذوق من حلاوته كلما لوعتني الأيام بمرها ، مرت سنواتٌ و أصبح لدي خمس بنات و ولدين ، و أصبحت أرملةً مجدداً توفي زوجي الكبير الطاعن في السن و أنا ما زلت شابةً صغيرة ، أصبحت أخرج للسوق لأبيع تاركةً أبنائي عند الضرة المرة القاسية ، تذيقني و إياهم من العذاب صنوفاً بعدما سرقت حق اليتامى ، سمحت لنا بالبقاء ؛ ليبقى لبناتها الثلاث إخوةٌ ذكور ، لا يمكنهم المكوث إلا بمكوثي و بناتي معهم .

سنينٌ مرت أتذوق فيها أصنافاً من المذلة و العذاب،  أحارب لأجل أبنائي و أتلقى الضرب و الإهانة عنهم ، أحارب بأظافري ، لا إخوة لي و لا بيت أهل يعينوني ، توفاهم الله جميعاً ، شهورٌ أخرى مرت و ضرتي المرة أصيبت بالمرض الخبيث ، تنتظر و تعد الأيام إلى أن يداهمها الموت ، تطلب مني و أبنائي العفو و السماح ، كما طلبها أعمام حامد من قبل ، و خاصةً عمه الذي أصبح مقعداً لا يستطيع أن يحرك يديه و رأسه ليرتشف رشفةً من الماء ، فأرفع رأسي إلى السماء أشكر الله على ما أعطاني و منحني من صبرٍ و شكرٍ على الأذية و البلية ، شاكرةً إياه على غولِ اليتامى الخفي الذي ينتزع حقهم من ظُلامهم .

" إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا " .


68
0
0

Anonymous {{ comment.name }} {{ comment.date }}
{{ comment.text }}
Anonymous {{ sub_comment.name }} {{ sub_comment.date }}
{{ sub_comment.text }}