• انشر كتاباتك
  • احصل على آراء وتقييم آلاف القراء والكتّاب
  • طوّر مسيرتك الكتابية

سجل حسابك الآن وابدأ رحلة الكتابة!

إنشاء حساب تسجيل دخول
قواريرٌ متصدعة .. أناملُ مسروقة
قواريرٌ متصدعة .. أناملُ مسروقة
تستذكر فاطمةٌ أمها حين كانت تعيش معها في القرية ، حين كانت ترافقها لتحضرا الطعام لوالدها ، يسيران تحت ظلال الأشجار و بين الحقول ، و لكن شتان ما بين هذا و ذاك ، شتان ما بين ظلال القرية و رمالها الناعمة الطينية التي ترسم قالبا لقدميها حين تطأ عليها ، و ما بين هذه الشمس الحارقة و الأرض الصلبة ، و بين ذاك الهدوء و هذا الضجيج ، شتان بين كل شيء هنا ...

أخذت الديكة بالصياح بصوتٍ عال ، و ازدادت الحركة في قن الدجاج ، وكأنها حفلة موسيقية صاخبة ، الدجاج يركض بشكل مجنون ، و الديكة تصيح بصوت أشبه بالزعيق ، لأن أيد صغيرة كانت تمتد نحو البيض الصغير الدافئ المتكوم داخل القش ، كانت فاطمة الصغيرة ذات التسع سنوات تستيقظ قبل الفجر ، تحمل المصباح ذو الضوء الخافت و تجمع البيض ، لتحضر الفطور ، و تعد الماء الساخن قبل استيقاظ سيدها ، ما إن يصدح أذان الفجر حتى ترهول بقدميها الصغيرتين تركض مسرعة لتصب الماء على يد سيدها الأربعيني المتكور البطن ، المكتنز بالشحم ، و لتعد الفطور بمعاونة سيدتها كي لا يتأخر أطفالها عن المدرسة ، و لكي يفهموا جيداً، لربما استطاعوا أن يفهموا حرفا مما يشرحه لهم المعلمون ، عند السادسة كان الأطفال الثلاثة ينصرفون إلى المدرسة مصحوبين بقبلات الأم و دعوات الأب لهم ، و بابتسامة فاطمة التي كانوا يشيحون عنها بتكبر و غرور شيطاني صغير، تبقى فاطمة تنظر إليهم و تتبع أثرهم بناظريها إلى أن يبتلعهم الطريق ، فتأخذها الأحلام إلى مكان ليس ببعيد ، فترى نفسها تحمل حقيبة وردية على ظهرها ، في قدميها حذاء جيد غير مهترئ ، تقف أمها تودعها و تقبلها و تدعو لها ، و لكنها لم ترَ والدها أبدا في تلك الأحلام ، كيف لا وقد تزوج فور وفاة أمها ، و أحضر لها زوجة أب قاسية ، لم تستطع تحمل هذه الطفلة الصغيرة ، و أنها غير قادرة على خدمة أبنائها و خدمة ابنته هذه ، فأبعدها عن حضنه و عن بيتها من القرية إلى المدينة ؛ لتعمل خادمة عن أصحاب البذلات و ربطات العنق ، أيقظها من غفوتها صوت سيدتها تصرخ عليها بصوت عال ، آمرةً إياها بتنظيف غرف الأطفال و محذرةً من العبث بأدواتهم أو السطو على شيء من ألعابهم ، فكانت تنطلق بنشاط تنظف و ترتب  و تنظر للكتب و الأقلام ، فيأخذها الفضول للعبث ببعض الدفاتر و لتمسك القلم محاولة رسم أحد الحروف ، تستغرب كيف يمكن أن يكتب هذا القلم الكثير من الأشياء المهمة ، و كيف لورقة بيضاء أن تصبح حداً فاصلا يمنح الحياة أو يسلبها ، ثم تنظر للألعاب المتنوعة المصفوفة بشكل جميل ، فترى السيارات و العرائس ، فتمسك بإحداها و تنظر لشكلها بالمرآة مرة و للعرائس مرة أخرى ، فتضحك من نفسها و من ترتيب العرائس ، و لكن صوت سيدتها يعود ليزعق مجددا ، فتذهب للمطبخ لتقوم بتنظيفه ، ثم لتعد القهوة لسيدتها ، و يبدأ الوقت الصعب_ تحضير الغذاء _ ، الكم الهائل من الشتائم و بعض الضربات المتفرقة تصاحب التعليم ،  تحزن قليلا ثم تواسي نفسها " لا تعليم إلا بالضرب " ! ، لربما أبناء سيدتي ينالون الضرب في المدرسة،  كل هذا و هي تعمل بجد ، تنظر بأمل للحياة ،  و انتظارا لوقت الفراغ القصير لتأخذ قسطا من الراحة ، تنظر للأطفال و هم يلعبون و يتعلمون بشكل حضاري ، ثم لتغادر مع الظهر متوجهة إلى دكان سيدها حاملة معها وجبة الغذاء و إبريقا من الشاي ، يروقها و يسعدها وضع الطعام فوق رأسها تستذكر أمها حين كانت تعيش معها في القرية ، حين كانت ترافقها لتحضرا الطعام لوالدها ، يسيران تحت ظلال الأشجار و بين الحقول ، و لكن شتان ما بين هذا و ذاك ، شتان ما بين ظلال القرية و رمالها الناعمة الطينية التي ترسم قالبا لقدميها حين تطأ عليها ، و ما بين هذه الشمس الحارقة و الأرض الصلبة ، و بين ذاك الهدوء و هذا الضجيج ، شتان بين كل شيء هنا ...

تسير في الطريق فتبهرها المدينة أكثر و أكثر ، أضواؤها و شوارعها ، محلاتها الممتلئة بكل شيء ، حتى الروائح المنبعثة من النساء و الرجال لا تشبه روائح النساء في قريتها ، فالنساء هنا ينتعلن أحذية برأس مسنن من الأسفل كما تصفه فاطمة _ ذو كعب عال _ ، لا تستترن و لا يتوشحن بالحُجب ، روائحهن كنساء غُسلن في نهر من الجنة ، أيديهن أنعم من بشرة الطفل الصغير ، حتى أيدي الرجال ألطف من يد زوجة أبيها المتطلبة و المنعمة بنظرها ، و لكن رائحة واحدة تستهويها هنا ، و هي رائحة اللحم و الشواء المنبعثة من محل سيدها ، فهو يملك محلا لبيع اللحوم و طهيها ، تقف تنظر بدفءٍ كبير ، تستذكر والدها وجلوسه بجانب النار في الأعياد و شوائه اللحم لهم ، يناولها سيدها رغيفا محشواً باللحم الشهي ، فتأكله بامتنان كبير ، فيمسح سيدها على رأسها حنوا و عطفا على هذه اليتيمة الصغيرة، كان سيدها رجلا رحيما عطوفا يرأف لحالها و عمرها الصغير ، على غرار سيدتها التي تقسو عليها خوفا من أن تتدلل و تتكاسل في العمل،  تعود ركضا قبل غروب الشمس ، تحضر العشاء مع سيدتها ثم تمسح أخذية أطفالهم و تعلق ملابسهم بعد كيها ، و ما إن يأتِ سيدها تقبل يده و تدعو له بطول العمر ، و تبقى واقفة مستيقظة حتى يخلد الجميع إلى النوم و تأذن لها سيدتها بالانصراف .

تذهب لسريرها لتأخذ قسطا من الراحة بعد عناء يوم روتيني طويل ، و لكنها الليلة بقية مستيقظة محملقة بالسقف ، منتظرة الغد على أحرَّ من الجمر ، فغداً هو يوم استلام راتبها الصغير ، معلقة آمالاً و راسمةً أحلاماً بشراء ذاك الوشاح المزركش لتلف به جدائلها السوداء الطويلة ، أو ذاك الحذاء ذو اللون الورديّ الجميل ، مصممة على تنفيذ قرارتها و عدم التنازل عن حقوقها بإعطاء راتبها الصغير لزوجة أبيها التي ستحضر على الموعد بالتمام ، لن تدعها تسلب راتب أحلامها ، استيقظت الصغيرة فاطمة بعد ليلةٍ مليئة بالآمال و القرارات ، لتعد الفطور و تقبل الأيادي و لتستلم راتبها من سيدها الذي دعا لها بالبركة في مالها ، و لسيدتها التي حذرتها من الإسراف ، فخبأته في جيبها الصغير ، و عادت لأعمالها مجدداً ، في استراحة الظهيرة جلست فاطمة على درج العمارة تنظر لمالها للمرة العاشرة و تبتسم ببرائة ، إلى أن باغتتها تلك اليد الثقيلة القاسية على كتفها ، يد عرفتها و اعتادت عليها كل شهرٍ في ذات اليوم ، يدٌ لا تعرف الرأفة أو الرحمة ، لا تعرف قهر اليتيم و دمعه الحارق ، يد تسلب أحلامها و آمالها ، تمتد لتسلبها حقها الصغير و لتبتطش بها ، كانت زوجة أبيها التي سرقت مالها مجدداً بعد أن نهرتها و صرخت بها مذكرةً إياها أنها مسؤولة عن نفسها و أنها ليست صغيرة لترعى شؤونها و تعيل نفسها ، و أنها كزوجة أب لها لا تتحمل مسؤوليتها و أنه يكفيها شرفاً ان تكون أماً ثانية لها ، ثم تنصرف لتتجول في المدينة و تبتاع ما تقع عليه عينها من مال اليتيمة الصغيرة ، فتجلس فاطمة تبكي حظها و موت أمها و غفلة أبيها،  ثم تبتسم محاولة التخفيف عن نفسها بأنها أفضل من الأخريات في القرية ممن تتلقين الضرب ليلَ نهار ، مواسيةً نفسها بأن لها سيداً رحيماً و سيدةً و إن كانت قاسية قليلاً فهي ليست بقسوة و ظلم زوجة أبيها ، لا يهم و إن كانت قارورةً صغيرةً متصدعة ، تمسح دمعها و تعود لعملها مسرعة على أثر صوت سيدتها الذي يدعوها للدخول إلى المنزل.


43
0
0

Anonymous {{ comment.name }} {{ comment.date }}
{{ comment.text }}
Anonymous {{ sub_comment.name }} {{ sub_comment.date }}
{{ sub_comment.text }}