• انشر كتاباتك
  • احصل على آراء وتقييم آلاف القراء والكتّاب
  • طوّر مسيرتك الكتابية

سجل حسابك الآن وابدأ رحلة الكتابة!

إنشاء حساب تسجيل دخول
كانت تلك الجائحة
كانت تلك الجائحة
Google+
عدد الزيارات
147
إنه افتراض حكاوى جدّة هرِمة لحفيدها الصغير، عاشت أيامًا من شبابها فى تِلك الأيام العصيبة والسنين المتقلّبة.

ماذا أقول لك يا صغيرى، إن البيوت غلّقت أبوابها وفُرض الحصار عليها من حيث لا تدرى، كانت ليالٍ أشبه بليالى الحرب، لكنها لم تكن كذلك، إنها أيامٌ تجمّعت فيها البشرية كلها دون أيّة تحفظات، تجمّعوا تحت سِتار الخوف والحذَر، الضعف وقلة الحيلة، لم يتجمّعوا بإرادتهم، حينها أدركوا كم هم يحتاجون بعضهم بعضًا.

منهم من أصابه الهلع وفقد صوابه، ومنهم من تعاملوا مع الأمر بعقلانية بحتة، ومنهم من تأمّل حكمة الله كما أنه تضرع إليه، ومنهم من سخِر من العالم بحمق شديد، ومنهم من ذهب عقله إلى نظريّات المؤامرة المُريبة وحُبِس فيها حتى ظن من حوله أنّه جُنّ، ومنهم من ضاق به الحال، ومنهم من لم يفهم.. أو لم يشأ الفهم.

إنها أيام خاف فيها الناس كل الناس، أيامٌ ارتبطت فيها مصائر البشرية جمعاء فى عقدة واحدة، فصار تصرّف رجل فى أقصى الشرق يستحسه -وبسرعة- رجل فى أقصى الغرب. 

إنها أيّام حُرِم فيها الأطفالُ أحضان أمهاتهم؛ خشية الوباء، حُرم فيها الأصدقاء ليالى سمرهم، حُرّمت فيها اللقاءات، غُلّقت فيها المساجد ودور العلم، هُجرت المزارات السياحية، ولأول مرة نرى بيت الله الحرام خالٍ من المعتمرين، ونرى شوارع المدينة المُنوّرة المُباركة خالية من زائريها ومحبّيها.

أُقفلت الأسواق والمحلات والمقاهى، توقّفت الاحتفالات والغناء، توقّفت الصناعات، انفضّت المجالس، ووضعت الحرب الخفية وغير الخفية أوزارها، ولم نعد نرى سوى مرتدِى المعطف الأبيض -أعانهم وجزاهم الله- يتنقّلون من حجرة عزل إلى غرفة عناية، من مريض إلى حالة طوارئ، لا إجازة ولا راحة، يعملون حتى يسقطون أرضًا من فرط التعب، فيأخذون قسطًا قليلًا من الراحة ليعاودوا الكرّة من جديد.

قد فرغ كل مكان من البشر، وسكن العالم بمعدل لا تغفل عنه عين، تعرقلَ كل شىء وكأن الأرض توقفت فى فلكها قليلًا قائلةً.. دعونى أتنهّد برهة. وسكن كل شىء حتى تستعيد الأرض صحوتها. فلَبِثَ الجميع فى بيوتهم ينتظرون أن تُشرق الشمس من جديد على أرض يأمنوها، وعلى تراب عرفوه، وعلى عالم خالٍ من كل ذلك الذّعر والحزن ، ربما هى أيام قليلة، لكنها عسيرة يا صغيرى، لذا فإن خروجك للعب واللهو هنا أمام الدار بخطوة أو عدة خطوات، هو شىء لم نُدرك قيمته حقًا مثلك إلا عندما جاءتنا تلك الجائحة، ذلك ال"عادى" لم يكن عاديًا أبدًا، إنه نعمة ومنّة من الله لا يستشعرها إلا قليل، كم كان صعبًا أن يستلزم الأمر "جائحة" حتى ننظر إلى الدنيا بمنظور مختلف، أن نُدرك أننا ضُعفاء، أن ننتمى لأبناء جنسنا دفعةً واحدة، أن ننظر فى عيون بعضنا البعض -على بُعد متر أو اثنين- فنرى فيها المحبة والمُواساة والسلام. فإن يومك البسيط هذا نعمة امتلكها الكثيرون من عباد الله لكنهم لم يدركوها، أدركوها عندما عاشوا الحياة -بضعة أسابيع فقط- لا من أجل شىء إلا من أجل البقاء بصريح التعبير، البقاء وفقط.


2
0
1

Anonymous {{ comment.name }} {{ comment.date }}
{{ comment.text }}
Anonymous {{ sub_comment.name }} {{ sub_comment.date }}
{{ sub_comment.text }}