• انشر كتاباتك
  • احصل على آراء وتقييم آلاف القراء والكتّاب
  • طوّر مسيرتك الكتابية

سجل حسابك الآن وابدأ رحلة الكتابة!

إنشاء حساب تسجيل دخول
كنتَ سبب هنائي في حياتك فصرتَ سبب شقائي بعد مماتك
كنتَ سبب هنائي في حياتك فصرتَ سبب شقائي بعد مماتك
Google+
عدد الزيارات
372
بين الحياة والفناء ! ..

كان سبب الهناء فصار سبب الشقاء !

 ما قيمة الحياة بعدك يا أخي الفقيد ؟! وكيف أهنأ بعيش بعد أن رحلت وأخذت معك كل الهناء ؟! كيف سأمر بمواضع مررتَ فيها من قبل و أماكن التقيتك فيها يوما من الدهر ؟! لقد صارت من بعدك مواضع موحشة و ذكرى للموت والفناء .. كيف سألقى أقاربك الذين هم من لحمك ودمك ؟! إنهم ذكرى لي ولكنهم حسرة و أسى وتذكير بالملمّات الموجعات ! ، كيف سأشغل وقتك الذي كنتَ تلقاني فيه كل أسبوع ؟! ذلك الوقت من حياتي  الذي كان لك وحدك دون أحد سواك ..كيف سيمر عليّ الآن ؟ قد كان يمر عليّ في الماضي في حضرتك أسرع من ومضة البرق والآن سيمر علي أثقل من يوم عاصف مطير يوقف حال العباد ! ، كل تلك التصورات تؤرقني و تهدمني حتى صرت لا أجد للحياة طعما و لا صورة بعدك ....

يصف تلك الحال ابن رشيق القيرواني مع صديقه الفقيد  فيقول :

وكَمْ سرَّني دَهْرِي بِه ثُمَّ ســــاءَني   *    ونَعَّمني دهراً به ثم أَشْقَــــــــــــاني

عَبَرْتُ غريباً بينهم غيرَ آلــــــــــــــــــفٍ    *   لغيرهمُ يا غُرْبَتي بَين أَوطــــــَاني

وعُدْتُ فقيراً بعدهم غيرَ واجـــدٍ      *   لِمثْلِهمُ يا خُلَّتي بعد خـــــــــــــــلاَّني

به ظَهَرَتْ في الحالِ منِّي زيادتــــي   *  ومذ بان عَنِّي بان للحَالِ نُقْصَــاني

إنه السرور الذي يعقبه الكآبة .. والأنس الذي تعقبه الوحشة ، والنقصان بعدالتمام ...كان مصدر سعادتي فصار مصدر تعاستي !

 إنها الوحدة الإجبارية و الغربة الشعورية، أنا وحيد وإن كنت حولي الكثير من البشر وأنا الغريب وإن كنت في وطني ، وأناالفقير وإن كنت أملك مال الدنيا ،  لن يؤنسني إلا عودته فأنّي لي الأنس ؟! ولن يغنيني سوى عودة تملّكه فأنى لي الغنى ؟!

إذن ما الحلّ لتلك المعضِلة ؟ وما المخرج من هذا الجحيم ؟ إنه الموت ! نعم الموت مثله الذي سيقربني منه و يبعدني عن وحشتي ولكن أنّى لي الموت ؟!

كرامٌ سُقُوا كَأسَ المنيةِ والـــــرَّدى     *  فيا ليت من أَسْقَاهم كَانَ أَسْقـَاني

وما حَكمَتْ فيهم فشُلَّتْ يدُ البلى    *  فيا ليت من أَبلاهمُ أَبــــــــــــــــــــــلاني

ويا ويحَ قَلبي كيف يأْوِي لأَضْــلعي   *  وأَفٍّ لنَفْسِي كيف تَسْكُنُ جثماني

وكم رمتُ قَتْلَ النَّفس فيكم فَصدَّني *  وصبَّرني عن قتلِ نفسِيَ إِيمـــاني

وخوفي أَنْ أَمْضِي إِلى عـــــند مالك   *   فيَغْتَمَّ منه قَلْبُه عند رِضـــــــْوَان      

        (   مالك : خازن جهنم ، رضوان : خازن الجنة )

وفي قصيدة أخرى يقول ابن رشيق محاكيا نفس الموقف ولكن هذه المرة يتمنى تبدل الحال ، يتمنى موت نفسه ومحيا حبيبه  :

لقد عِفْتُ عيشيَ بعْدَ العَفِيفِ    *  على العَيشِ بَعْدَ العفيفِ العَفاء

 وإِنَّ بَقَائِي من بعـــــــــــــــــــــــــــدِه      *   قبيحٌ وإِنَّ حياتِي جــــــــــــــــــــفاء

 ولِمْ لا نَقَلْتَ إِليّ الســـــــــــــــــقامَ     *  ويُنْقَلُ عنِّي إِليكَ الشَّـــــــــــــــفاءُ

وكيـف ولِمْ لا رددتُ القــضاءَ    *    وهيهاتَ ليــس يُردُّ القـــــــضاء

 فلاتَحْسَبُوا أَنَّني قــد بَقِــيتُ    *    بَقِيتُ ولكن بقــــــــــــــــــائي فَنَاءُ

وأَمَّا مُقَاميَ فهُوَ الرّحــــــــيلُ     *    وأَمَّا نعيميَ فهو الشَّـــــــــــــــــــقاءُ

تلاومتُ إِنْ عشت من بعــدِه    *    فأين الإباء وأيـن الحــــــــــــياء

أين حياء النفس وأين عهد الإخاء ؟! أأعيش من بعده أتنفس هواء لا يتنفسه ؟! وأسير على أرض لا يدبّ عليها ؟! وأشرب ماء لا يلامس شفاهه؟!

 أين حيائي .. أين حيائي ....... 

إنني أرفض تلك الحياة التي لا يحيى فيها و آبى العيش بدونه أشد الإباء ! .....

إذا بان محبوب وعاش مـــــحبّه   *    فذاك كذوب في الهوى غير صادق

أوليس من إحدى العجائب أنني   *  فارقته وحييــــــــتُ بعد فــــــــــــــــراقه

 

ولكن على النقيض هناك نظرة متمهلة متحلية بالحكمة نفضت غبار المحنة و تخطت عقبة الصدمة الأولى تقول : إنها لحظات يائسة يظن الإنسان فيها أن الموت هو المخرج من فراق الحبيب الفقيد ، ولكن ترى هل تلك الأمنية ترضي الحبيب المفقود ؟! إن صديقي الحبيب الغائب لا يتمنى لي الموت أبدا وهو وإن مات فهو يريدني حيا ، يريدني حرا صامدا ،أحطم عقبات الحياة من بعده ، أحقق ما لم يستطع تحقيقه ، أفعل ما فاته فعله ، أكمل مسيرته في الحياة ، أنصر القيم والمبادئ ، أُعلي راية الحق ، أتمم ما تعاهدنا على إتمامه ، هذا هو مراده وهو في قبره ، هو ينتظرني في يوم نقف فيه في ظل الرحمن كما أخبر رسوله ووعد ، ولكن ذلك الوعد سوف يتحقق حين تقوم القيامة وتبدل الأرض غير الأرض والسموات ، إذن ليس الآن ؛ فلا داعي لاستعجال الموت ! ...أنا على قنطرة الحياة الدنيا و هو على قنطرة حياة البرزخ و ملتقانا الأخير ننتظره معا  في ظل الرحمن وإن كنا افترقنا بين العوالم !!...

تقول أَمانيَّ هل نَلتَـــــــــــقي   *   فَقُلتُ نَعم في المعَادِ اللِّقَــــــاءُ  !!

 


3
0
0

Anonymous {{ comment.name }} {{ comment.date }}
{{ comment.text }}
Anonymous {{ sub_comment.name }} {{ sub_comment.date }}
{{ sub_comment.text }}