• انشر كتاباتك
  • احصل على آراء وتقييم آلاف القراء والكتّاب
  • طوّر مسيرتك الكتابية

سجل حسابك الآن وابدأ رحلة الكتابة!

إنشاء حساب تسجيل دخول
كم كان ذلك سريعاً!
كم كان ذلك سريعاً!
معلمة الحساب التي كانت تقدم إلى بيتنا صيفاً، تكبرني بست سنوات. كم صرحت لها "أنتِ عبقرية يا آنسة" مع كل مسألة تنهي حلها بذكاء خارق. و تصدّ ثنائي بنبرة رسمية: "هيّا حل هذه المسألة دون تضييع للوقت".

تلك الآنسة.. أحببتها. 


مشكلتي معها بدأت أثناء درس الجذور التكعيبية. استشرت فيّ الحماقة وهي تشرح الدرس بتفانٍ كبير، لأجد نفسي أباغتها بسؤالي: "هل تقبلينني زوجاً لك؟".

كل ما أتذكره قبيل فقداني الوعي، صمتها المريع وكعب حذائها العريض. صحوت على صوتها تتمتم وهي تجمع حوائجها: "هذا ما نسميه جذراً تكعيبياً يا نصّ نصيص". 

لماذا نصف نصيص؟ تساءلت. هل لأني لم أحظ بأكثر من أربعة عشر ربيعاً من حياتي وقتذاك؟ أم لأن الشتيمة تروقها حسابياً! كنت مقتنعاً بأنني وإن كنت نصف نصيص فهي النصف الآخر بلا منازع.

رحلت ولم تعد.. وكتمتُ سبب رحيلها عن أسرتي. جمعت بعض المال لهندامي وباقة من الورود، وانطلقت صوب منزلها ظهر يوم شتوي دافئ. تُظلّ باب منزلها شجرة رمانٍ وارفة الأغصان. بعد انتظار لم يدم طويلاً، انبلجت من نافذة غرفتها تفرق أوراق الشجرة التي حالت بيننا. 

- أمجنون أنت يا سامي؟ 

- سأكون لكِ مخلصاً.

صفعت جبينها يائسة، 

"يا أخي أنت لا تملك شارباً حتى".

- إذا كانت هذه المشكلة، فسننتظر بعض الوقت.

استوقفتُها قبل أن تطبق النافذة:  

"تذكري أنّ الدنيا دائرة لها قطر أيضاً". 

ابتسمت.. 

- وما هو قطرها سيد فيلسوف ؟

- قرار تتخذينه، إن كان خاطئاً تدور عليك الدائرة. 

- مراهق مغرور!

هنا لم تمهلني أية فرصة للدفاع عن نفسي، أوصدت شبّاكها، ورحت أتحسس مكان شاربي الأملس بذهول.

مع ظهور أولى شعيرات شاربي وثبت فرحاً أمام المرآة، وخرجت من المنزل أحمل البشرى بين أضلعي، هرولت شطر بيتها، ووقفت تحت شجرة الرمان أنادي باسمها. استقبلني رجل عملاقٌ مفتول الشارب، ذو بطن مترهل، وذراع بحجمي. وقبل أن أنبس بكلمة اجتذبني من ياقتي بكلتا يديه، رفعني بانسياب متناهٍ، لتتلاقى أعيننا. 

- ماذا تريد يا نُصيص؟

- أنا.. كنت.. أحتاج بعض المساعدة في الرياضيات!

ارتطم نعلي في الأرض معلناً حجم الكارثة.

- إن رأيتك هنا ثانية سألقنك درساً في الكسور!

رصدتُها من خلف الشجرة تلمزني. واسترسل هو الآخر يختال أمامها بمزيدٍ من النكات الحسابية المحببة إليها. 

- نجعل منه متوازي أضلاع يا هالة، ما رأيك؟

أفلتني محاولاً أن يتمالك من الضحك نفسه، انتشلت نعلي ومضيت إلى حيث تأخذني الطريق. 

إذن، لم تنتظر شاربي.. 

زميلٌ لي عُرف بخبرته في مشاكل الحب، أفضيت إليه: "تركتها قبل ثمانية شهور وعدت لأجدها مخطوبة، كم كان ذلك سريعاً". أجابني والمخاط يسيل من أنفه: "الفتيات في بلادنا يتزوجن بسرعة، ثمّ إن المرأة تحب الرجل الثقيل يا أحمق".  قضم لقمة أخرى من شطيرته، وأردف يمطرني: "عليك أن تنساها يا صديقي". 

لم يكن ذلك شاقاً، فالعابرون على قلوبنا الغضّة يسهل نسيانهم، تضمحل ذكرياتهم فينا قبل أن تيبس جذورها. ولم أعلم أن النسيان كان عصياً عليها إلا في اليوم الذي زارتنا فيه، مع طفلتها. يا لذلك اليوم الغريب! هالة في منزلنا، مع ابنتها، وعمري ناهز الثانية والعشرين. سمعتها تشهق بحرقة في حضن أمي، وتشكو إليها قسوة طليقها المتعجرف، ولأنها لم تحبذ لابنتها رؤية دمعها أرسلتها إلى الداخل، وتعلم في نفسها.. أني أنا الداخل. 

أطلت الوديعة التي لا تشبه أمها، مسرّحٌ شعرها بإتقانٍ كبير، يفصل بين شقيه خطٌ من فروة رأسها مستقيم جداً، وفي صدرها الصغير تضمر سراً عن أمها. 

استنبأتها: "هل أنتِ بخير؟"

غمغمت بصوت مرتجف: "أبي يريد أن يأخذني للعيش بعيداً عن أمي". 

وارتمت بين ذراعيّ تقصد عشاً لعصافير مقلتيها، كدت لا أصدق أني ضممت قطعة من هالة. 

رفعت بصري إلى السماء، أحمد الله مذهولاً، أيعقل أن نضمر أمانينا ونتناسها كل هذا الوقت ثم تتحقق بغير مجهود منا! ربما آن الأوان لترى سامي الكبير، مفتول العضلات والشاربين. ربما آن لها أن تشهد الرجولة متجسدة في الشهامة لا في ذراعٍ وبطنٍ مترهل. من خلف الباب خاطبت أمي على مسمع هالة، أخطرتها بنبرة حاسمة أنّي ذاهب لألقنه درساً لا ينساه، دون أن أتريث لحظة واحدة خرجت موصداً من خلفي الباب. 

في طريقي إلى اللا شيء، تنبهت إلى عدم معرفتي عنوان بيته، وقفت على حافة الطريق أفكر: إن عدت إليها سأبدو أحمق، لا بدّ أن أستأنف الطريق بحثاً عنه. ومضيت إلى بيتها علّ أحداً من أسرتها يدلني إليه. 

بضع طرقات فحسب، ثم أتفاجأ بطليقها يبزغ من الداخل، لم يتغير شكله كثيراً. تبسم ساخراً: أنتَ ثانية يا نصيص!

انهلت عليه ضرباً وركلاً، فيما أردد: "اخرج من منزلها أيها الوغد اللعين!".  بطحني أرضاً وجعل يركل جسدي ويصفع وجهي إلى أن شده من فوقي مجموعة من المشاة. وفيما أحاول التقاط أنفاسي، قلت لهم: "هذا الوغد يريد أن يحرم طفلته من أمها، والآن وجدته في منزلها". 

انقض عليّ ثانية وهو يقاوم أيديهم، يلكمني في وجهي ويقول: "أنا زوجها ايها الأخرق!".. ثم يلكمني مجدداً، ويردد: "الطفلة ابنة طليقها أيها المتخلف..."


33
0
19

Anonymous {{ comment.name }} {{ comment.date }}
{{ comment.text }}
Anonymous {{ sub_comment.name }} {{ sub_comment.date }}
{{ sub_comment.text }}