• انشر كتاباتك
  • احصل على آراء وتقييم آلاف القراء والكتّاب
  • طوّر مسيرتك الكتابية

سجل حسابك الآن وابدأ رحلة الكتابة!

إنشاء حساب تسجيل دخول
خيانة الياسَمِين
خيانة الياسَمِين
Google+
عدد الزيارات
366
فصلُ المسرحية الأخير ~

سُمية أختي تكبرني ب سنة واحدة فقط، وتكبر أخي وِسام ذو الثالثة عشر ب خمس سنوات ، صارِمة حدّ الإزعاج ،تتولى أحيانا شؤون المنزل و تخالُ نفسها الآمر والناهي،كنت دوما ما  أتخيل ماذا سيحدث لو أنّ سُمية أنا ! ماذا لو كنتُ أنا الأكبر أعتقد أنني كنت ل أعامِلها برفق و بعطف الأكبرِ على الأصغر.

كان لنا في الحي جيران أعرِف بيوتهم من ألوان أبوابها،الباب الأخضر المُزخرف ب الورود وباب خشبي عتيق  ثم الباب الحديدي الأبيض ،ذاك الباب الوحيد الذي يُفتح لنا ،المنزل الوحيد الذي تسمحُ لنا أمي ب طرقه والدّخول مِنه..

بيت الخالة ياسمين المُبهج، مصابيح وأزهار عند المدخل في حديقة المنزل الصغيرة، كنبة بيضاء،وكراسي مُلونة، وغرف ب أبواب زرقاء.

لم تكُن أختي سمية سوى صورة مصغرة من أمي ف أمي ورُغم لين قلبها وطيبته صارِمة، كان خوفها كبير جدا وغير مُبرر أحيانا ،تمنعنا من الاِختلاط بالجيران ،تتلو علينا مُجلدات من الوصايا والتحذيرات..

كنتُ أتردّد على بيت الخالة ياسمين كثيرا ف بيتها كان يبعثُ بالسعادة  كما أنّها سيدة طيبة ودودة ، كانت مُستودع أسرار أمي ومحلّ ثقتها لطالما ردّدت أمي جملتها الشهيرة " ياسمينة ، ليست  مجرد صديقة، إنها أخت حقيقية"

كان منزِل الخالة ياسمين المُتنفس الوحيد في طفولتنا.ف أمي كانت تمنعنا من اللعب خارِج المنزل. هُتافات الأطفال،صوت الصافِرات، ضحكات هنا وهناك كل شيء كان مُغرٍ بجوارنا لكننا لم نكُن لنطاله بسبب تخوفات أمي الدائمة ..

عاد وِسام من المدرسة فرِحا أخبرني أن فريقه في المدرسة قد فاز في مباراة لكرة القدم ،كان يتحدث وبريقُ الفرحِ يتلألأ من أعينه المستديرة، ضممتُه إلي بشده كنت أستمِع لتسارع دقات قلبه وأحس بها تنبض بداخِلي ، أحب أي شيء يُدخل السعادة لقلبه الصغير الطيب وأؤمن ب حلمه أن يصبح يوما  لاعِبا مشهورا.

ابتسمتُ أنا بينما ازدرت سُمية ب مشاعرنا المُبالغ بها لأن ماحدث لم يكُن يستحق كل هذا -كما عبّرت ..

كنتُ أحاول أن أُثمن كل الأشياء التي يفعلها  أن أقدم له التحفيز والدعم الدائمان وأن أحجُب عنه غُبار الإحباطات الدائمة التي يتلقاها كلانا من سُمية وكان هذا سببُ خلافتنا الدائمة، شجارات مُستمرة تتخللها هُدنة قصيرة أحيانا..

لقد شعرتُ مرارا أني أكادُ أختنق عصبية سُمية، شِجارنا المستمر، تعبُ أمي في عملها، وشعوري الدائم بالحاجة لأحضان الأب الذي لم ينتظِر أن أحدثه عن أشياء كُثر فارقني في سنتي الرابعة!

في ليلة ماطِرة جدا صحوتُ من نومِي مذعورة لم أجِد سمية في فراشها !

كان صُراخ أخي وسام يُسمع لآخر الشارِع، هرعت أمي تجرِي من غرفتها حافية الأقدام أما سُمية التي يبدو أنها أول من استيقظ فقد كانت تقف متسمرة عند باب غرفته والدّهشة تعلو ملامِحها ..

كان وسام يشتكي من ألم رهيب في قدمه، أمطرت عليه أمي بِ تساؤلاتها

-"ما بك؟ ب ماذا تحس أخبِرنِي ابني ؟"

لكن أسئلة أمي ظلت بلا جواب ف وِسام ظلّ يصرخ حتى غاب عن الوعي..

اتصلت أمي ب الخالة ياسمين فما مِن شخص غيرها يستطيع أن يقِف معنا في أمر عصيب ك هذا، ولم تمضي  لحظات حتى جاءت مذعورة هي الأخرى ترتدي جِلبابا بطريقة غير مُرتبة وشالا يُخبّىء نِصف خصلات شعرها المُبعثرة، كانت تبدو خائفة ومذعورة مثلنا تماما..

ذهبوا إلى المشفى، أما أنا ف بقيتُ في المنزل وحدي.. تقِف عقارب الساعة  عادة عن الدوران في أوقات ك هذه.

 اتجهت ب خطوات مُرتعشة نحو غرفة وسام، حذاءه ، كرة القدم، ملابسه الناعمة ك وجهه"آمل أن تكون بخير يا قلبي الصغير"

أجابت سمية بعد أن اتصلت بهم للمرة الخامسة ..

"سمية أختي طمنيني ما به وسام، كيف حاله الآن هل هو بخير ؟ "

"ادعي له كثيرا، الطبيب يقول أنه يحتاج ل عملية"

كنت أعلمُ أن هذا هو الحل ليُشفى وسام، لكنه حل باهض جدا .تُرى ماذا سندفعُ هذه المرة، أسرة صغيرة ك أسرتنا مُعيلها الوحيد أم تشتغِل طيلة النهار لتخيط أثوابا مقابل بيعها ب ثمن زهيد جدا ماذا عساها أن تفعل ..

في صباحٍ مُبهج استيقظتُ من النوم رأيتُ ضوء الشمس ساطِعا أكثر شعرتُ ب جدران منزلنا تبتسِم أحسستُ أنني أستطِيع استنشاق رائحة عطر ورد فارقتني منذ مدة بل شعرتُ أن الفرحة حقا لا تسعُ قلبي الذي ازداد نبضه مع أول طرقة للباب..

عادت أمي ومعها وسام بعد أن قضى فترة في المشفى وتكللت عمليته ب نجاح ومعهما سمية والخالة ياسمين التي لم تفارق أمي وسمية ل لحظة.

كان قد تبرع ل عملية أخي وسام شخص أبى أن يُعرف بعد علمه بالأمر. لقد عادت الحياة ل منزلنا من جديد بعد أن كان قد حلّ بنا اليأس وأرهقنا الحزن.

لم أستطِع أن أتجاوز موقف الخالة ياسمين معنا أبدا،أردت الاعتراف بالجميل، مررتُ ب بائع وردٍ لاشتراء باقة من الورد، كانت باقة بسيطة جدا إذ اشتريتها ب نقود متبقية في حصالتي التي لم تكن تمتلىء اساسا، لكنني أعلم أن لها قلب ك قلب الأم لذلك تأكدت من قبولها لهديتي البسيطة..

دخلتُ من باب الحديقة الذي غالبا ما كان يظل مفتوحا..،كان صوت الصراخ قد علا بين الخالة وزوجها، تراجعت قليلا ، فكرتُ في العودة وعدم الدخول، لكن اسم أمي  كان يُكرر فيه ب شكل مُريب، لكن الصوت بدا واضحا والكلام أكبر وأقسى من أن أتحاشاه..

عدتُ ب يدان مرتعشتان ، تحملان باقة ورد لم يُكتب لها أن تُهدى مشيتُ مشتتة تماما، ماذا عساي أن أقول ل أمي، هل أخبرها بالمسرحية التي عاشتها ل سنين طويلة ، لم أعرِف ما أفعله، بقيت في حيرة من أمري...

تقدمت خطوتان للأمام، ظلّت كلماته تُطاردني " لو كان بك خير لما تراجعتِ لحظة واحدة في مساعدة الوحيدة التي تنعتينها دوما بالمُتسولة، عرضتُ عليك أن نساعدها بمبلغ مالي ورفضتِ لأن الحقد قد تملّك قلبك، رفضتِ حتى أن تخبريها أننا نعرف مسؤولا طبيا قد يتدخل لحل مشكلتهم ، ما كل هذا الحقد يا امرأة، لست مستغربا مما فعلتِه اليوم، لطالما كنتِ امرأة سيئة خبيثة، تضحكُ للناس، و تتأففُ منهم بمجرد أن يستديروا.."

كان زوج السيدة ياسمين يُلقي رسائلا بغير قصدٍ ، كأنّه يعرض فصول المسرحية الأخيرة، ولا أعلم ماذا صدر منها بحقه هو الآخر لتغالبه الدموع أثناء حديثه..

جلستُ قليلا في حديقة الحي لأتماسك قبل أن تراني أمي مصدومة كنت أبكي لأجلها أبكي لأنها خُدعِت. سررتُها في نفسي ومضيت عدتُ إلى المنزل حاملة ب يدي باقة وردٍ ودمعة أخفيها ثم أهديتها لأختي سمية أختي التي أسأت فهمها مرات كثر..

كانت فترة عصِيبة أرهقتنا جميعا ، أخذت منا الكثير من الجهد والبسمات، لكنها نهاية أهدتنا ماهو أثمن، أهدتنا الألفة والتآزر..

أدركتُ أن سمية تستحق أن تكون فعلا الأخت الكبرى ، وأن ليس كل الأصدقاء أحبّة، والوجوه الطيبة قد تُخبئ في ثناياها الكثير من الخبث والمُكر..


5
0
1

Anonymous {{ comment.name }} {{ comment.date }}
{{ comment.text }}
Anonymous {{ sub_comment.name }} {{ sub_comment.date }}
{{ sub_comment.text }}