• انشر كتاباتك
  • احصل على آراء وتقييم آلاف القراء والكتّاب
  • طوّر مسيرتك الكتابية

سجل حسابك الآن وابدأ رحلة الكتابة!

إنشاء حساب تسجيل دخول
خطب القلب العظيم
خطب القلب العظيم
في غرفة مظلمة يتسلل اليها ضوء القمر على خجل ، ومكتب يضج بفوضى بالأوراق المتناثرة عليه ، ورفوف خشبية قد كساها الغبار حتى تغير لونها ، جلست على كرسي الخشب المتهالك لفرط ما استمع الى شكواي ، أنظر الى قلبي المركون في زاوية الغرفة ،وقد بدت عليه معالم الهرم جلية ، فبات مكسوا بالتجاعيد ، ولكنه كان ينبض ! وبشدة ! ، وهذا ما كان يثير فضولي ودهشتي في كل مرة أنظر اليه فيها ، أرقب كيف أردته أزمانه ، كيف أثقلته همومه.

فأقول ما بال هذا القلب لا يكف عن نبضه ؟!  ما باله لا يعلن استسلامه ؟! نجاهلت تساؤلاتي ، لأني-أعلم كعادتي - أني سأخرج بخفي حنين منها .تقدمت لليمين خطوتين ، ثلاثا ، ها قد وصلت دولابي المتعفن ، تناولت منه الناي ، ياااه ! ، مر زمن طويل عليك أيها الناي ، منذ زمن لم تمسسك أناملي ، حتى أنت بدأت تشيخ يا نايي ؟ ، على أي حال ، نفضت عنه غباره ، وقربته موضع شفتاي ، ورحت أعزف ، أعزف لحنا يليق بخيبات ماضي المنصرم ، وحاضري مجهول الملامح ، المختزل في هذه الغرفة الضيقة منذ زمن ، ومستقبلي الذي لا آبه لمعرفته ، عزفت الناي ، لأنه يشبه قلبي كثيرا ، صوته حزين ، ومليء بالثقوب ، تماما كقلبي الذي أنظر اليه الآن ، وحده الناي من يعزف صوت هذا القلب ، وحده من يحكي قصته ، خيبته ، جرحه .عزفت مطولا لقلبي ، عزفت حتى نفذت كل ألحان الناي ، وضعت نايي جانبا ، أعلن الفجر مجيئه واختبا الليل في ثوب السماء ، ساقتني قدماي نحو قلبي ، ولأول مرة أنظر اليه عن كثب شديد ، دائما ما كنت أعين نفسي بقوة حتى أجعل  بيني وبينه ردما ، حتى بعض خيوط الشمس التي جاءت تلقي تحيتها ، عندما وصلته توجست في نفسها خيفة منه ، فعادت أدراجها دون أن تشرق عليه ، أشفقت على قلبي كثيرا ، فحملته بين يدي ، ونزلت به سلم بيتي المصاب بالعطب ، ورحت أجوب به الأرجاء ، دلفت شارعا فرعيا ، مررت على حوانيت وخانات ودكان عطار وتوقفت عند دكان قديم لبائع بلور ، ألقيت على ذلك العجوز تحيتي ، وسألته : هل في دكانك الصغير تصلح الجمادات؟ ، أجابني : هذا الدكان الصغير ملأى بالعطوب ، عرضت عليه قلبي ، و سألته هل من سبيل لاصلاحه ؟ ، تفحص العجوز قلبي كثيرا ، ثم قال يا لهذا القلب ما أكثر ثقوبه ،ثم وجهه لي وبدأ يشرح لي كيف اختلفت احجام ثقوبه ، وكيف أن هذا يعني أن جروحه قد ذاقت الويلات من كل حدب وصوب ، فأكدت له صحة كلامه ، ثم عاد ليشرح لي سبب تجاعيده ، فقال لي أنها دموعه التي نزفها كثيرا حتى جفت فكانت تجاعيدا ، استفسرت منه كيف لهذا القلب المهترئ أن ينبض ؟! ، فأراني جرحا في قلبي لا يزال ينزف ، وأن هذا الجرح هو سبب النبض ، فسألت العجوز ، هل من بين أدواتك ما يوقف جرحه ؟ ، فأجابني اجابة خررت بها صعقة ، كجبل من خشية الله رايته خاشعا متصدعا ! ، قال لي : يا فتاة ، عندما دخلت دكاني سألتني ان كنت أصلح عطب الجمادات ، ولكن قلبك آدمي بشري ، وليس جمادا ، ليس كشظايا هذا البلور الذي ترين ، أعيد جمع شتاته وينتهي الأمر ، وحتى ان ذهبت لطبيب القلوب فلن ينفعك ، وحده من كان سببا في هذا الجرح قادر على تضميده ، ولكن اعلمي ان ضمد هذا الجرح النازف ، فسيتوقف قلبك عن النبض ويموت ، فبعض القلوب يا حلوتي تحيا بآلامها . مد لي قلبي – النابض بألمه – فاحتضنته بين ذراعي وخرجت من الدكان انسانة أخرى ، عاودت صعود سلم غرفتي المتهالك ، وأعدت قلبي في زاويته المركونة ، يحيا بين آلامه وخيباته ، ونظرت الى الناي ، وكلي يقين أنه لن يخرج لحنا فقد عزفت جميع ألحانه ، واذ به يعزف لحنا جديدا ، فاكتشفت أنه يعزف لحن ذلك الجرح النازف ، وأن الناي لا يخون صاحبه ، والموسيقى بحر من الألحان لا ينضب ، وأن قلبي هو الانسان وانا الجماد ، وعندما استسلمت للنعاس ، مشيت حيث قلبي ، وضعت الناي بجانبه ، ربت على قلبي ، طبعت عليه قبلة ، استمعت لنبضه الشديد وقلت له آه لخطبك العظيم يا قلبي !! .


3
0
1

Anonymous {{ comment.name }} {{ comment.date }}
{{ comment.text }}
Anonymous {{ sub_comment.name }} {{ sub_comment.date }}
{{ sub_comment.text }}