• انشر كتاباتك
  • احصل على آراء وتقييم آلاف القراء والكتّاب
  • طوّر مسيرتك الكتابية

سجل حسابك الآن وابدأ رحلة الكتابة!

إنشاء حساب تسجيل دخول
حينما يذوب الجليد السرمدي
حينما يذوب الجليد السرمدي
‏"من حُسن الود أن يتوقف الجدال عندما يحتلّ الحزن عين الطرف الآخر".

لكن أي حزن تقصد؟

كانت تقول له مرارًا أن يحذر حزنها، تتوسّله ألا يهون خاطرها لديه.

رويدًا رويدًا أصبحت تشعر بأسطوانتها تتلف، تمامًا كما كنا نتعثر في صغرنا عند جمعنا للاسطوانات الموسيقية فكان يخرج الشريط منها عن السيطرة، يلتف حول نفسه وتذهب محاولاتنا لإعادته مكانه- غالبًا- بالفشل.


لم تسرد عليه كل التفاصيل: تذكر كيف كانت تتمعن في وجهه وترى مسامات جلده عن قرب، تذكر مكان كل شعرة من شعرات وجهه وأنفه وأذنيه عن ظهر قلب. 

تذكّر متى أخذت مساماته بالتقلّص، ثم كيف تغيّر دولاب ملابسه، انتبهت لكافة الالوان الزاهية منها والاقل التي أضافها مؤخرًا. لم تخبره كيف أن رائحة جسده التي أصبحت مألوفة اليوم ليست بالرائحة التي تحبها، وكيف أن ادمانها على الشامة تلك تحديدًا، أصبح ثانويًا.

يمكنها أن تتذكر مشيته، وتعثره، وخجله، وصوته، حركات يديه واللين في عينيه. 

لم تخبره بهذه التفاصيل كلها، لكنها أخبرته مليًا التالي:

أخبرته عن القاتل "م"، الذي يستطيع مساعدتها في الحصول على مبتغاها.

عن خطتها بعيدة الأمد، عن أسباب تخطيطها لهذه السيرورة بالذات، شرحت له بالتفصيل الممل كل "لماذا" ممكنة. ولكنها اليوم تشك بأنه أصغى. 

كان بوسعها أن تنفذ الخطة دون سابق إنذار، كان بوسعها بكل سهولة تحطيم آماله، قهر أمه، وقف حياته عند حدها، وبدء حياتها.

ولكن أمه امرأة طيبة، أو هكذا رسمها لها، تلك المرأة التي لن تعرفها. 

تتذكّر كم كان مهمًا لديها أن تشرح له الأساليب، والموانع، والمحفزات، وأكثر من كل هذا.. رغبتها بأن يصغي إليها جيدًا، أن يأخذ كلماتها بالحسبان، أن يفكر مرتين قبل أن يخذلها مرة أخرى.


كانت ترى انعكاسها في عينيه، وكانت تحبه. 

كانت تتمنى لو تخترق البوابات، لو تصعد درجاته وتصل إلى عمق أفكاره، أن تجد نفسها بين طياتها، ماذا تراه يفكر؟ ولماذا ترتسم على محياه تلك الابتسامة الطيبة؟ انه ليس بشخص طيب! يغيظها ذلك. 

ذلك الرجل الهادئ، الرجل الذي أصبح بين ليلة وضحاها.. كيف تقول ذلك بأقل طريقة مبتذلة؟ ملكًا في مملكة فراشتها. توّجته في احدى ليالي ديسمبر الباردة آملة أنه سيكون معطفها في الليالي القادمة، لم تعرف آنذاك أنه سيذوب فيها، ويذيبها، يعيد بناء نفسه، ويضحك على فتاتها.

ولهذا تمامًا تأكدت أن تسرد عليه تفاصيل خطتها جيدًا، لعله أصغى في احدى اللحظات، لعله يندم، لعله يعود.

لكن ما ذهب لن يعود، كذلك السكّر، كذلك اللهفة، حتى النظرة.


قد تطول المسافة، والأيام، ويشتد الألم، أو يهون، قد تصبح الليالي أقل حلكة، والصباحات لذيذة دون سكّر، قد تخسر في بعض المعارك وتبقى الجندي الأخير، قد تكون شاهدًا على سقوط الممالك، وتحزن لسقوطها، لكنك لن تستطيع استعادة شيء منها.

يحزنك قولها لواقعيته، قد تميل لوصفه بالسوداوية، لن تبالي، تمامًا كما لم تبالي حين أقفلت الخط، وحين تجاهلت الرسالة رقم مليون، وحين تركت ألف سؤال دون إجابة، حين تركت الشك ينهشها، حين فضلت كبريائك عليها، حين هان الود بينكما، حين أغلقت الباب، وحين تركتها للريح، حين كنت تتأملها تعتني بزهرتها لتراها تكبر، وفي عز ازدهارها أشعلت النار في وريقاتها، حين حاولت مرارًا الاحتفاظ بك، وحين أصررت على خسارتها، حين تخيل اليك أن راحتك تكتمل بحزنها، وفي كل مرة ذهبت للنوم فيها دون أن تعلم كيف حالها، ومع كل حبة دواء، عن كل يوم انتظرتك فيه وكنت تعلم بانتظارها ولم تحضر، في كل مرة كنت تشبع غرورك، وتمتص منها كلها، ولكنها- يا هبلها- رغم كل هذا تحبك. أليس هذا أغرب ما في الحب؟ أن يسرق منك سعادتك وراحتك وقلبك ووقتك.. وأنت تنظر إليه وتبتسم! 


وتعرف جيدًا انك تخطئ الاف المرات يقينًا منك انها ستغفر، تخطئ بحقها وتتركها تصالحك، تنهزم في الحب الاطراف الاكثر حبًا. 


قد تطول المسافة، ويذوب السكّر، وتظن أنها ستنتسى، وستغفر ولكن هناك أشياء بالحياة العبث بها لا يُغتفر، كأن تعبث بالضوء في قلب أحدهم فتطفئه.


*الجليد السرمدي- الجليد الذي يحبس تحته كمية هائلة من غاز الميتان CH4 الذي يعرف بشدة وسرعة اشتعاله

*السرمدي - دائم لا يزول


0
0
2

Anonymous {{ comment.name }} {{ comment.date }}
{{ comment.text }}
Anonymous {{ sub_comment.name }} {{ sub_comment.date }}
{{ sub_comment.text }}