• انشر كتاباتك
  • احصل على آراء وتقييم آلاف القراء والكتّاب
  • طوّر مسيرتك الكتابية

سجل حسابك الآن وابدأ رحلة الكتابة!

إنشاء حساب تسجيل دخول
حنظلةٌ حتى النصر
حنظلةٌ حتى النصر
اكتب معنا عن أجمل المناطق السياحية في بلدك
أما عن تسلقي للأسوار فإني كنت أنظر لقريتي المسلوبة .. محاولاً الوصول إلى يافا لأقطف لابني برتقالاً حلو المذاق .. ماراً بكروم العنب في الخليل .. و لأصطاد سمكاً من عكا محبراً من مينائها .. و لأرسو في حيفا .. ثم لأشتري صابوناً زيتونياً من نابلس .. متوجهاً للقدس سائراً في أسواقها .. مّتظللاً ببراقها الشريف مصلياً ركتين في الأقصى ...

العيش في غزة .. هو الإبحار نحو المجهول نفسه

تولد صغيراً تحبو بقدميك اللينتين .. على أرضية غير مُعبدة كما في البلاد الأخرى .. تحاول ان تركب و تلعب على أرجوحة فلا تجد سلماً .. و هذا يعني أن عليك القفز من مكانٍ عالٍ و لأن لا عُدة أمانٍ هناك تقيك من الارتطام بالأرض .. و لأنك من غزة ستنكسرُ إحدى ضلوعك و تواصل الزحف دون أن تعير اهتماماً لجروحك الدامية .. تبدأ بالمشي مبكراً عند رؤيتك لمرتفعات و لمنحدرات ، و لأنك تعلم أنك لو سقط فلا معين و لا جابر لكسرك إلا الله ، و لأنك تتحارب و تتصارع مع الوقت يجب عليك الوقاية من أي منعطف كاسر .. رحلة المشي المبكرة هذه تُكلفك الكثير و الكثير .. يرونك طفلا صلبا مبكرا قاسيا على نفسه .. فيضعون على ظهرك حملا كما البعير  .. تحمله دون شكاية او تبرم فيبدأون حينها بجلدك بالسياط على ظهرك .. تحمل من الشرق لتوصل للغرب .. و لكنك تجد نفسك بالجنوب رغم أنك كنت قاصدا الشمال .. علامات الجوع بادية على وجهك و في جسدك النحيل الذي لا يكاد أن يُرى .. عَرَق جبينك تملَّح و جف من طول المدة و من أشعة الشمس الحارقة .. تحاول أن تطلب أجرتك و لكنك تأخذ أجرةً أكبر .. صفعةٌ من ثلاثينيّ مستدير البطن .. مكتنز اللحم .. تحاول رفع رأسك من هول ما وجدت و لكن رفسةّ ترديك أرضاً من عربيدٍ قصير القامة لا يكاد يُرى .. تستفيق بماء حارق يشوي وجهك .. لتجد نفسك أمام حائط اسمنتي ممتدٍ من الأرض إلى السماء .. تحاول التسلق و تسقط مراتٍ كثيرةٍ متوالية .. و لكنك لا تشعر بالألم .. تنجح نهاية الأمر لتحاول القفز من فوق الأسلاك الشائكة المُكهربة .. تستقبلك زخاتٌ من الرصاص .. و كأنك إرهابي مقنع .. تستقيظ مرة أخرى على صوت طبيب عبري يتكلم بلغةٍ لا تفهمها .. تحاول النهوض .. فتجدك يدك مُصفدةً بأغلالٍ حديدة بإحدى زوايا السرير .. تحاول تحريك يدك الأخرى أو حتى قدميك و لكنك مصفد من أطرافك الأربعة .. تتساءلُ في نفسك : " تُرى هل ظنوني مسيحاً ليصلبوني على السرير ؟ ، إنه القرن الواحد و العشرون ! " ، ابتسامة ساخرة ترتسم على وجهك من سخافة الفكرة ممزوجةٌ بالألم .. تفتح عينيك مرةً أخرى .. فيجذبك جندي من رقبتك ، ماذا كنت تفعل على حدود بلادنا ؟ تحملق ببلاهةٍ مصطنعة ، أوه،  عفواً و متى أصبحت بلادنا بلادكم ؟ ، هل سُلمت مفاتيحها لكم ؟ ، تجحظ عينا الجندي مغتاظة من قوتك و ضعفه ، يرسلونك إلى زنزانةٍ منفردة ، ثم يبدأ التعذيب و التنكيل في جسدك الحي .

_ ماذا كنت تفعل على أسوار بلادنا ؟

_ هل كنت تخطط لخطف جندي منا ؟

_  لحساب أي جهةٍ تعمل ؟

_ من هم رفقاك الذين معك ؟

هل يعطونك الكثير ؟ ، حسناً .. نحن سنعطيك أكثر .

و لكنك تواصل الصمت معتزماً و مندهشاً ، يعرضون عليك الخيانة بزي امرأة لعوب : مالٌ ، و بيتٌ في وطنك المسلوب ، و إن شئت عربةٌ تحملك هنا و هناك ..

تجيب بمكر و سخريةٍ لاذعة .

- أنا حنظلةُ الفلسطيني ، ولدتُ في ( الخامس عشر  من أيار في عام ألف و تسعمائة و ثمانية و أربيعين ) و سُميت بعدها بالنكبة .

أما عن تسلقي للأسوار فإني كنت أنظر لقريتي المسلوبة .. محاولاً الوصول إلى يافا لأقطف لابني برتقالاً حلو المذاق .. ماراً بكروم العنب في الخليل .. و لأصطاد سمكاً من عكا مبحراً من مينائها .. و لأرسو في حيفا ..  ثم لأشتري صابوناً زيتونياً من نابلس .. متوجهاً للقدس سائراً في أسواقها.. مُتظللاً ببراقها الشريف مصلياً ركتين في الأقصى .

أما عن رفقائي و الجهة التي نعمل معها ،، فكلنا نعمل إرضاءً لأمنا فلسطين التي أعطتنا الأرض و الوطن و البساتين و البيوت التي سلبتموها ، أعطنا الحب و الدفء و الكرامة .. علمتنا العزة و الكبرياء و الأنفة .. علمتنا ألا نبكي شهدائنا بل نحتسب و نثأر لهم .. و ان نحطم قيود الزنزانة و نحارب سجاننا .. بربكم هل هذه أشياء تُعطى أو تُباع ؟! .. أراكم صمتم ، هي لا تُعطى .. فلسطين أمي .. القدس و غزة و كل شبر هو وطني و ملجأي و سكني .. أنتم المهجرون و المطرودون من كل بقاع الأرض .. خانونا و قضيتنا .. سيأتي يومٌ لن تجدوا فيه ولياً و لا نصير .. و حينها ستعودون للنبذ و التشريد ، أنتم ...

صوت رصاصةٍ دوى في المكان .. أطلق على رأس حنظلة المناضل السائر نحو المجد .. صمت مطبق أعقبه صوت صفير زنزانة أخرى تخرج حنظلةً آخر للتعذيب .. 


106
0
0

Anonymous {{ comment.name }} {{ comment.date }}
{{ comment.text }}
Anonymous {{ sub_comment.name }} {{ sub_comment.date }}
{{ sub_comment.text }}