• انشر كتاباتك
  • احصل على آراء وتقييم آلاف القراء والكتّاب
  • طوّر مسيرتك الكتابية

سجل حسابك الآن وابدأ رحلة الكتابة!

إنشاء حساب تسجيل دخول
جيم موريسون يقرأ الرافعي
جيم موريسون يقرأ الرافعي
لصاحبة التهويدات الحزينة..

 

كل ما هو انساني كان قد غادر وجهها، تشتعل نار جامحة و ترقص خلف ضباب الوجود، باحثة عن قبلة وداع جافة، كانت تهتم بالاحلام و الرؤى لتقدم التنوير الفائض للاموات، تهبط مع ادم فتتنفس ريح الدنيا النتنة، يغشى عليها اربعين يوما، تصرخ : ”تركت فراغك التام لينافس كل هذا الصمت“، لقد وضعوا لها مهلة قصيرة، و بدأ الوقت يضيق عليها، تهددها كل الاشياء بالفوات، و تذكرها برعب انها ستنقضي، سينكسر قلبها، و لكن الله مع المنكسرة قلوبهم، و مع اصحاب المدافع الكبيرة.

 

ترى الذي اتخذ الدنيا له وطنا  ***  لم يدر ان المنايا سوف تزعجه

 

قرأت ما خطته الصحراء من كلمات في عشق الرند : ”اقتربي ايتها المرأة، اكسري المعرفة على حجر الجهل، و اسمعي ما يجب عليّ ان اقوله. وجّهي فضولك مرة نحو الاشياء الراقية، و تفكري بالمزايا التي منحتك اياها الطبيعة، و سلبها منك المجتمع. تعالي و تعلمي كيف ولدت رفيقة الرجل، و كيف اصبحت عبدته؛ كيف انشئت لتحبي وضعك و تظني انه طبيعي ؛ و اخيرا كيف ان التعوّد الطويل على العبودية قد حط من مكانتك حتى صرت تفضلين نقائصها التي تستنزف طاقتك لانها مريحة، على فضائل الحرية و حسن الصيت لانها اصعب، اذا كانت الصورة التي سارسمها ستتركك مسيطرة علي نفسك، اذا كنت تستطيعين ان تتأملي فيها بلا عاطفة، فعودي الى تساليك التافهة، لا علاج لك ؛ فقد اصبحت النقائص عرفا.“

 

دخلت روح جيم موريسون في جسد رند، دخلت خلسة من اصبع قدمها الاصغر، فكتبت :

 

زوج من الاجنحة، يتكسر، و رياح الكارما العالية، تصدح، ترقص كالغجرية مع  ضحكات اليافعين و اصوات اطفال البيداء. الافعى و السحلية و عين الحشرة، كيان الصيّاد الاخضر، سريعة تمضي في الوقت النيء، عند قدم النعاس المتسلل، فتطحن الغابة الدافئة لتحولها الى خشب متعب. 

 

من الوادي السحيق، اسرح شعري المنساب، اطعن الاعين، و اوسّع السماوات، خلف عظام الجمجمة تكمن نهاية صيد ناعمة، تضم الثدي المتقطع، و الحنجرة الحمراء المحتقنة، كلب الصيد يحدق، و يأخذها الى موطنها، يحمل جسد اختنا الى القارب.

 

فأس في رأسها، تغادر مكانا لا يغادرها ابدا،  يتقمصّها ارذل الشياطين، فتصنع السيف الدمشقي الاسطوري، تلعب باعظم الثورات، ان خرجت ينتظر العالم و يطل برفقة المجرمين و المجانين من النوافذ، كأنه يقصد التجرأ عليها، او انه يطلب القرب منها، لليلة واحدة، ينبح الكلب من خلف الباب الزجاجي : ”لم لا استطيع ان اكون في الداخل معكم ؟“، تتموء القطة، يشتغل محرك السيارة ليسابق ذرات الغبار و الكربون المتظاهر، وضعت رند كتاب المساكين للرافعي على الارض، وشرعت في كتابة كتابها الخاص ، معلنة حبها للفتاة السمينة، متى ستصل و تكون معي هنا؟

 

الارق هو سبب كل جريمة و هو اساس القلق، يجب عليك ان تأخذي الحياة بجدية اقل، و اضحكي، هذه فلسفتي، الحياة ليست صراعا و لا توتر مستمر، الحياة نعيم من الحكمة الباطنية، و كل ما هو سلبي فليكن قطرة مطر ساقطة  في محيط نعماكِ، كل معضلة ستنجلي كما الليل بعد بزوغ الفجر، و افعالك تحدد اذا ما كنت شقية ام سعيدة، مملكة فردوس الوجود السرمدي لا ترى، كالروح، و لكنها موجودة في باطنك، تشع السعادة في رند كما العطر من الزهر، فتجذب كل ما هو بعيد اليها.

 

انها تشعر بحريتها للموت، و بحريتها في الموت، تكتبه، فيتنفس الحبر على الورق، يغدو للكلمات مسام، تكتبه، تدبّ الحياة في شرايين المعنى، و تخلق اللغة جسدا، تكتبه، فيكون.

 

 الموت ينتزع روحها، و الهجر يترك روحها كأنها منتزعة، فهو موت لا ينتهي، او كما كتبت سابقا : ” و كأن الذي يقبض الروح في كفه حين موتها هو الذي يلمسها عند الفراق باطراف اصابعه“. 

 

انها تتعامل مع إبداعها باستخفاف لا يليق حتى بمللها، تكره الوحدة المبتورة، كجحيم ينقصه الحطب، انها المثال الاعلى للداروينة، او لنقل انها الداروينية باحسن صورها، انها النموذج المثالي للتحليل النفسي لانسان ما بعد الحداثة، اجمل وجه للفن التجريدي. شعاع ساطع من غرفة المعيشة، حيث تحيا كاسطورة، و تموت، و تضحك كراقصة، و تبكي، حيث نمى اسمى حب عاشته رند، مسكت يدها في الصيف، و اخبرت الشرطي بانها فقدت سذاجتها بعد ان اجتازت ربيعها السادس عشر، في تلك الرحلة المشئومة،من ثم هربت معي، ترَكَت القليل من الفودكا في تلك الزجاجة، على رمال تلك الفيفاء، قرب جمجمة الثور، عند ابتذال الجرذ الذي كان ينهش الخشب المنسي، لعله كان يبحث عن ورك سمين لذيذ لولد يغتصب الارض ، و  ينام بعد ذلك بهدوء فوق المروج، يصل الكلب نابحا : ”سأتّجه نحو الجنوب.“.

 

ماذا سأقرأ لها في صباح الاحد؟ ماذا سافعل حتى اصل اليها في صباح الاحد؟ ساقرأ عليها نشرة اخبار عن الحروب الاهلية في الهند، اخبار مليئة بالملاحم و الدماء و الاحشاء، او قصص الترويض من جماليات الادب العالمي، في صباح الاحد، سافعل ذلك.

 

المخدر يضع رهانه ضد عقلها، تلسع السيجارة اصبعها، و حرق عنيف على السجادة الفارسية، تحوم عينيها و تحفر جسدي، متقرفصة كلبوة على نافذة جاري الجذيم، لا تسمع الا موسيقى الشوارع الصاخبة، و يثور عقلها على ضحكات البلهاء، ضحكات خائفة للناس المملين، من ثم تصطف دور العبادة طوع رغبتها. 

 

انها الدليل في هذه المتاهة، تعال و راقب معي، في غرفة الفندق الخضراء، غرفة رقم ٣٣، ساكون هناك في الساعة التاسعة والنصف صباحا، ساريك فتاة الاحياء المبتذلة، و ستشاهد البركة المشتعلة، ساريك اناس غرباء، ممسوسين، كما الوحوش، على حافة تلك الثورة.

 

اخشوا الآلهة الذين تركوا سرهم فيما بيننا.

 

قاطنة في مدينة الليل، اختاروها لتلعب دور اميرة الدنمارك، اوفيليا الفقيرة، كل هؤلاء الجن لم يروا، و هم يسبحون الى جحيمهم، تلك الشموع الفولاذية، ارجعي يا محاربتي الشجاعة، و اغطسي في قناة اخرى، ماؤها غطي بالزبد، حيث مراقش الكامنة تحت الشلال، عاصفة جامحة، محملة بالبرابرة المتناغمين، تولد في وقت متأخر من الظهيرة، تصرخ ثانية : ”تركت فراغك التام لينافس كل هذا الصمت“.

 

اتمنى ان تكوني قد رحلت بابتسامة، و ان تحملي في احشائك حالة كاملة من الانسانية، كطفل في بقايا حلم اثيري، رجل، او ملاك، ينافس عبيده، و اصابع تتقطع لتحرير تلك الروح التائهة، اوفيليا، مغطاة بالحرير و اوراق الياسمين،  شاهِدٌ مجنون في حلم نقي، انك ملهمتي يا فتاة المسك، انك الشمس المزخرفة، الضفدعة ذات القرون، قاطعة الطريق ذات رداءٍ اصفر، انظري الي دربك، دربنا، في جنة الجثامين مع اكلى لحوم البشر و اليهود، عثر الفلّاح على جسد ناحل متآكل، متيبّس، و حفرة عميقة في جلد الهة  الموسيقى الرخيصة، تطير بغموض داخل عقل العصفور، نهايتها القديرة في مقبرة المعرفة، حلم كبير يقف ضد اغتيال الروح، وصلت رند، جريحة.

 

كيف حصل كل ذلك لي؟ تشاهد الراقصة التعبيرية ذلك الاله المتنكر بزي فيكتوري غريب، يقدم بعفوية حياتي الرثة لصروح النباهة، ساكذب في هذا البرد القارص، حتى يتجمد السلام معي، و يتقمّصني، شبح وغد و حقير، ”من عالباب ؟“

 

و في النهاية، لا بد ان ينتصر الموت، لانه جزء من قدرنا منذ ولادتنا، يتلاعب بنا لفترة قصيرة جدا قبل ان يبتلعنا، لكننا نواصل حياتنا باهتمام كبير و ببؤس شديد بقدر ما نستطيع.

 

دخلت روح مصطفى بك الرافعي من انف رند، و طردت روح موريسون الملعونة، مسكت القلم و كتبت : 

 

أنتَ فيّ، و أنا أنظرُ بكَ إليك، هذه هي المشكلة التي جعلتك لغزاً لا حل له، فما أقرب الحب منَ العبادة، ما دام هذا الحب هو تجلّي نفسٍ في نفس، و ما أشبهه بدين يعبدُ فيه الجسمُ الجسمَ، فالمعشوقُ حالة نفسية متألهةٌ معبودة، و العاشق حالة أخرى متولّهةٌ عابدة !

 

سئل الخضر عليه السلام عن أعجب شيء رآه في الدنيا مع طول سياحته وقطعه للقفار والفلوات، فقال : أعجب شيء رأيته أني مررت بمدينة لم أر على وجه الأرض أحسن منها، فسألت بعض أهلها متى بنيت هذه المدينة فقالوا سبحان الله لم يذكر آباؤنا ولا أجدادنا متى بنيت، وما زالت كذلك من عهد الطوفان ثم غبت عنها خمسمائة سنة ومررت بها فإذا هي خاوية على عروشها ولم أر أحدا أسأله وإذا رعاة غنم فدنوت منهم فقلت: أين المدينة التي ههنا؟ فقالوا: سبحان الله لم يذكر آباؤنا ولا أجدادنا أنه كان ههنا مدينة، ثم غبت خمسمائة سنة ومررت بها وإذا موضع تلك المدينة بحر وإذا غواصون يخرجون منه شبه الحلية، فقلت للغواصين منذ كم هذا البحر ههنا؟ فقالوا: سبحان الله لم يذكر آباؤنا ولا أجدادنا إلا أن هذا البحر من عهد الطوفان، فغبت خمسمائة سنة وجئت فإذا البحر قد غاض ماؤه وإذا مكانه غيضة وصيادون يصيدون فيها السمك في زوارق صغار فقلت لبعضهم، أين البحر الذي كان ههنا؟ فقالوا: سبحان الله لم يذكر آباؤنا ولا أجدادنا أنه كان ههنا بحر،  فغبت خمسمائة عام ثم جئت إلى ذلك، فإذا هو مدينة على الحالة الأولى، والحصون والقصور والأسواق قائمة، فقلت لبعضهم: أين الغيضة التي كانت ههنا، ومتى بنيت هذه المدينة؟ فقالوا: سبحان الله لم يذكر آباؤنا ولا أجدادنا إلا أن هذه المدينة على حالها من عهد الطوفان. فغبت عنها نحو خمسمائة سنة ثم أتيت إليها، فإذا عاليها سافلها وهي تدخن بدخان شديد، فلم أر أحدا أسأله ثم أتيت راعيا فسألته أين المدينة؟ قال سبحان الله لم يذكر آباؤنا ولا أجدادنا إلا أن هذا المكان هكذا منذ كان. فهذا أعجب شيء رأيته في سياحتي. فسبحان مبيد العباد ومفني البلاد ووراث الأرض ومن عليها وباعث من خلق منها بعد رده إليها.

 

قف بالديار فهذه آثارهم *** تبكي الأحبّة حسرة وتشوّقا

كم قد وقفت بها أسائل أهلها *** عن حالها مترحّما أو مشفقا

فأجابني داعي الهوى في رسمها *** فارقت من تهوى وعزّ الملتقى

 

وقال عيسى عليه الصلاة والسلام : أوحى الله إلى الدنيا، من خدمني فاخدميه ومن خدمك فاستخدميه، يا دنيا مرّي على أوليائي ولا تحلي لهم فتفتنيهم.

 

وقال بعض الحكماء: الدنيا كالماء المالح كلما ازداد صاحبها شرابا ازداد عطشا، أو كالكأس من عسل وفي أسفله سم فللذائق منه حلاوة عاجلة وفي أسفله الموت، أو كحلم النائم يفرح في منامه فإذا استيقظ زال فرحه أو كالبرق يضيء قليلا ثم يذهب.

 

ولو قيل للدنيا صفي نفسك ما عدت ما وصفها به أبو نواس بقوله:

وما الناس إلا هالك وابن هالك *** وذو نسب في الهالكين عريق

إذا امتحن الدنيا لبيب تكشفت *** له عن عدو في ثياب صديق 

 

يسقط المطر بحنيّة على هذه الارض، تريّثوا قليلا، فقد ماتت رند، و مشيت انا في جنازتها، كان الحب يمشي الى جانبي في الجنازة، يشد على ذراعي و يبكي. بعدما زرعوا غاليتي في التراب، و عدت في اليوم التالي لازورها، لم اجد القبر، و انما وجدت مكانه وردة، اخذت حجرا و حفرت عليه بواسطة عظمة سبأ بن نواس، و هو خادم عيص بن اسحاق بن ابراهيم خليل الرب، سبأ الذي عاش دهرا طويلا، و رأى عجبا كثيرا، وضعت الحجر خلف الوردة النابتة مكان قبر رند، وقفت و قرأت ما حفرت، كلمتين بالرومية، ”اخيراً.. حبكة..“.


5
0
0

Anonymous {{ comment.name }} {{ comment.date }}
{{ comment.text }}
Anonymous {{ sub_comment.name }} {{ sub_comment.date }}
{{ sub_comment.text }}