• انشر كتاباتك
  • احصل على آراء وتقييم آلاف القراء والكتّاب
  • طوّر مسيرتك الكتابية

سجل حسابك الآن وابدأ رحلة الكتابة!

إنشاء حساب تسجيل دخول
غضب الأسود
غضب الأسود
Google+
عدد الزيارات
275
الفصل الأول

صوت طنين قوي فيأذني, رائحة الدخان و الموت تملأ جيوبي الانفية و تحفز جسدي المنهك على متابعةالقتال رغم اني قد استهلكت قواي منذ مدة طويلة. توقفت و استندت على شجرة لاسترجعانفاسي للحظة كانت بالنسبة لي كدهر من الزمن. رفعت بندقيتي العزيزة, صديقتيالوحيدة في هذه الفوضى. اعدت ملئها بالرصاص ثم وضعت فوهتها على جبيني و حاولتالتركيز لبضع لحظات. كانت الفوهة ساخنة لكثرة الطلقات التي انبثقت منها لتستقر فيأجسام اعدائي. تلوت بضع ادعية راجيا من الله ان يوفقني و يسدد خطاي ثم انطلقتثانية الى الجبهة الامامية من الحرب.

قبل ستة سنوات

في بلدة صغيرةبالمغرب داخل بيت متواضع عاش طفل قارب العاشرة من عمره مع امه. كانا يعيشان حياةريفية تقليدية وسعيدة. اعتادا الاستيقاظ باكرا والقيام بأعمالهما دون كلل او ملل.فقد عصام والده وهو مازال رضيعا، فظلت الاسرة الصغيرة دون معيل. لكن امه السيدةفاطمة لم تدخر جهدا وعملت جاهدة لتوفير لقمة العيش لابنها. تلك الاعمال المضنيةالتي كانت تقوم بها بأجر زهيد وفرت لها ولابنها طعام يملئ بطنيهما وغطاء يقهما منالبرد القارص. كانت هذه الحياة البسيطة هي كل ما تتمناه السيدة فاطمة لها ولابنهاالصغير، لكنها لم تدم طويلا.

في نفس السنة, سنة1912, كان يعرف بلدهما تغيرات سياسية كبيرة, فقد تم توقيع معاهدة الحماية الفرنسيةالتي جعلت المغرب تحت امرة الدولة الفرنسية. شيئا فشيئا بدأ الجنود الفرنسيونبالقدوم الى المدن والقرى المغربية، وبلدة ’ امطاون’ حيث يسكن عصام و امه لم تكنمستثنية.

في يوم ربيعيهادئ, خرج عصام كعادته الى الحقول ليلهو قليلا مع اقرانه و ترك امه وحيدة فيالمنزل. كانت القرية هادئة لا يعكر صفو سكونها وهدوئها الا ضحكات الأطفال و هميسابقون بعضهم البعض. لكن فجأة سمعوا صوة صاخبا وغريبا لم يسمعوا مثله من قبل. ركزتاعين الأطفال الفضولية على مصدر الصوت, مع مرور الثواني ازدادت حدة الصوت و إزدادترقبهم, فجأة انبثق سرب من المركبات العسكرية من خلف الجبل باتجاه البلدة. بعدثوان خرج القايد مهرولا من منزله باتجاهها, يبدو انه كان يترقب وصولهم لكنه لميخبر أحدا من اهل البلدة. وسط سحابة من الغبار توقفت المركبات الواحدة تلو الأخرى.من كل مركبة نزل عشرات الجنود المدججين بالسلاح. وطأة اقدامهم تهز الأرض و دوي صراخهميسمع في جميع ارجاء المكان. من مركبة كانت تتقدم هذا الموكب ترجل رجل يتأبط عصىرفيعة و يرتدي قبعة تخفي تحتها وجها يعلو الكبرياء و الفخر محياه. رفع جميع الجنودأيديهم ليأدوا التحية لهذا الرجل الذي يكبرهم بثلاثين سنة على الأقل. بخطى سريعةتقدم القايد نحو الرجل, هذا الأخير مد يده للقايد الذي قبلها دون تردد. تابعالأطفال جميع ما جرى بأعينهم البريئة و رأوا كيف كان المقدم يتمشى امام الرجل ورأسه منخفض بينما كان الاخر يتمشى و كأن البلدة بأكملها ملك له، ربما لانهم كانواصغارا ليفهموا ان هذا الرجل هو بالفعل المالك الجديد للبلدة.

رافق القايد هذاالرجل و أدخله منزله, اما بقية الجنود فقد ظللوا بالخارج. اقترب الأطفال بخفة نحوهؤلاء الغرباء. لم يكن عصام يشعر بالخوف منهم بل على العكس, كان يحس بالفضول وأراد معرفة المزيد عنهم. اقترب هو و رفاقه كفاية منهم ليسترقوا السمع. فسمعواالجنود يتكلمون بلغة غريبة لم يسمعوها من قبل.

’ما الذي يقولونه ؟انا لا أستطيع فهم كلمة مما يقولونه!’ قال أحد الأطفال.

’يبدوا انهميتكلمون بكلام غريب. انظر اليهم, شعرهم غريب لونه مثل لون التبن الذي نطعمهلخرافنا ! بشرتهم بيضاء كالثلج و كأنهم لم يركضوا في الشمس من قبل!’ قال اخر.

عصام كان اصغرهمسنا لكنه كان حاد الذكاء, أعطاه الله حواس و غرائز حادة و قوية. لم يكن يتكلم نفسلغتهم لكنه كان يستطيع فهم كلامهم.

’أعتقد أنهم يستهزؤونبنا. أنظروا إليهم يتغامزون فيما بينهم و كأنهم يسخرون من بلدتنا.’ قال عصام.

بعد فقد الأطفالالأمل في فهم ما يتحدث عنه الجنود و احسوا بالجوع فقرروا العودة الى منازلهملتناول الطعام. لم يعر أي منهم أي اهتمام لما حصل او قد يحصل, إلا عصام كان يخالجهإحساس سيئ حيال الضيوف الجدد الذين حللوا عليهم هذه المرة.

دخل عصام إلىمنزله ليجد امه قد قامت لتوها بحلب البقرة و اعدت الغداء. بطاطا مسلوقة مع بعضالخبز, الحليب و بضع تمرات حلوة المذاق. وجبة متواضعة لكنها تكفي بطونهم الصغيرة وتفرح قلوبهم البسيطة.

’يبدوا انك عدتهذه المرة اقل إتساخا مما اعتدت. ما الذي حصل؟ الم تركض انت و رفاقك كما اعتدتمهذا اليوم؟’ سألت فاطمة.

’بلى, لكن لعبناقوطع من طرف بعض الغرباء الذين قدموا هذا الصباح لبيت المقدم’ اجابها عصام.

علمت ام عصام فوراأي نوع من الضيوف يقصد ولدها لكنها لم تبد أي ردة فعل حتى لا تخيفه.

’اه جميل. و ماالذي تفكر في القيام به هذا المساء؟’ سألته فاطمة.

’أعتقد أني سألعبثانيتا مع أصدقائي حتى غروب الشمس.’

’حسنا لكن لا تتأخركثيرا.’

بعد لحظات جاءاحدهم يطرق الباب, كاد ان يوقعه من مكانه من شدة قرعه له. قامت فاطمة بسرعة لتنظرمن ذا الذي يطرق بابهم باستعجال. عندما فتحت الباب وجدت امامها رجلا يلهث من شدةالتعب, لابد انه جاء الى هنا و هو يركض.

’امرني المقدم اناخبر جميع اهل القرية ان يجتمعوا قرب منزله اليوم بعد صلاة المغرب. الحضور اجباريعلى الجميع.’

قال كلماته هذهمباشرة دون كلام او سلام ثم غادر بنفس السرعة التي جاء بها.

عادت فاطمة الىالطاولة لتكمل الاكل مع ولدها و رغم انها حاولت ان تخفي قلقها عنه إلا انه احس بانهذا الرجل نذير شر.

مرت الساعات بسرعةو الان حان الوقت لتلبية نداء المقدم. قامت فاطمة و ارتدت ملابسها, تلك الملابسالتي لا يرى منها سوى عيني المرأة و كفيها لتعكس ذلك المجتمع المحافظ الذي ترعرعتفيه. اما عصام فقد اكتفى بجلباب يماثل لونه لون التربة التي حضنت شعبه و جادت عليهبفضل الله اجمل الخيرات. أخيرا غادرا المنزل باتجاه منزل القائد حيث اللقاء. الشمستغيب و نورها يختفي شيئا فشيئا, كلما اقتربا من المنزل ازدادت الظلمة و كأنهاعلامة من السماء.

’فاطمة! يافاطمة!’ نادت احدى النساء, التفتت فاطمة لتجد السيدة عائشة صديقتها ترافق بنتها.

’لقد ظللت اناديكلكنك لم تلتفتي حتى كدت افقد صوتي من كثرة مناداتي لك يا صديقتي!’ قالت السيدةعائشة.

’اسفة يا صديقتيلم اسمع مناداتك لي. كيف حالك؟’

’بخير الحمد لله,و انت؟’

’بخير الحمد لله.أرى انك قد جئت انت و ابنتك, اين زوجك و ابنك؟’

’غادرا قبلنا.تأخرت قليلا اثناء تحضير ابنتي و عندما انتهيت وجدت ان زوجي قد سبقني. صبره قليلكما تعرفين’ قالت السيدة عائشة و هي تضحك محاولتا إخفاء استيائها. ابتسمت لهاالسيدة فاطمة و اكملتا الطريق.

كان المكان ممتلئاعن اخره بسكان القرية و بخدم المقدم. كل يحاول ان يجد مكانا للجلوس في هذه الزحمةو الخدم من جهة أخرى يحاولون ترتيب الناس. بدت السيدة عائشة قلقت و منزعجة بعض الشيءو هو ما لاحظته السيدة فاطمة فانحنت و همست في اذنها

’لا تقلقي. انا متأكدةانك سوف تجدين زوجك قريبا.’

’ليس هذا مايقلقني. كنت اخشى ان أكون متأخرة.’

ابتسمت السيدة فاطمةو اجابتها قائلة

’لا تقلقي ياعائشة, لن يظهر القائد حتى بعد صلاة العشاء.’

’ما الذيتقصدينه؟’ سألتها عائشة بكل استغراب.

’الم تجدي وقتاللقاء غريبا؟ لم اخبرنا القايد ان نأتي عند صلاة المغرب. عادة ما ناتي بعد صلاةالعشاء حيث نكون انهينا جميع الصلوات لنأخذ وقتنا في المناقشة. اخبرنا بالقدوم فيهذا الوقت لانه ينوي ان يتركنا ننتظر.’

’و لم عساه يحضرناو يتركنا ننتظر؟’

’يريد ان يتركناننتظر ليأكلنا الشك و يقل صبرنا, كلما طال وقت الانتظار كلما ضعفت عزيمتنا و كلمااردنا الرحيل دون ان نفكر بعقولنا. انا واثقة ان ما سيخبرنا به القايد لن يسرنا’

لم تفهم السيدةعائشة كلام السيدة فاطمة, ربما اعتقدت انها اكثرت من التفكير لكن السيدة فاطمةكانت امرأة فطنة. قساوة الأيام و أيام القهر التي رأتها بعد فقدان زوجها جعلت منهاامرأة يصعب خداعها.

بعد ان جلس كل فيمكانها و سكن الحضور, ظلت عيونهم تشاهد في ترقب تنتظر خروج القايد. طال انتظارهمللقايد, مرت بضع ساعات و لم يظهر بعد. بدأ الحضور بالاستياء، لكن السيدة فاطمة ظلتهادئة لأنها تعرف ان القايد لن يظهر وجهه حتى تجف اخر نقطة من صبرهم. و أخيرا فتحالباب على مصراعيه و صمت الجميع. امام انظار الجميع خرج القايد متقدما ذلك الرجلباللباس العسكري. كانت هذه أول مرة يرى فيها اهل القرية القايد حاني الرأس و يتكلمبتلك الطريقة. فقد اعتادوا منه الشدة و الصراخ و النظرة المخيفة. وقفا امام الجميعبصمت لبضع لحظات, ثم استهل القايد الحديث قائلا:

 ’ يا أهل البلدة كما تعرفون جميعا بلدنا يمربمرحلة تاريخية. منذ بضعة أيام تم توقيع معاهدة الحماية حيث سيكون المغرب تحتحماية الدولة الفرنسية. ستقوم هذه الدولة المجيدة بحمايتنا من الأعداء. يجب اننكون ممتنين لها لحمايتنا. هذا الرجل الماثل امامي هو الجنرال ريتشارد بيرتادر وهو المسؤول عن منطقتنا و يريد إلقاء كلمة عليكم.’

عندها استدارالقايد نحو الجنرال فتقدم هذا الأخير نحو الحضور و بدأ بالكلام بنفس اللغة التيكان يتكلم بها الجنود, و القايد بجانبه يقوم بالترجمة:

’يا اهل البلدة’انا الجنرال ريتشارد بيرتادر لكن نادوني بالجنرال. قام بلدكم مؤخرا بتوقيع معاهدةالحماية لأنكم شعب ضعيف و متخلف و الدولة الفرنسية ستقوم بحمايتكم و جعلكم اكثرتحضرا. عليكم ان تكونوا شاكرين لنا. مقابل خدماتنا التي لا تقدر بثمن ستقومونبإعطائنا نسبة من محاصيلكم و اراضيكم.’

صدم الجميع منكلام الجنرال, يطلب منهم اخذ جزء من ارضهم و كأنه يطلب منهم شيئا رخيصا و هينا.شيئا فشيئا بدأت صرخات الاستياء و الاحتجاج تعلوا المكان, لكن الجنرال لم يحركساكنا بل كان يبتسم.

’لن نعطيك و لوشبرا من أرضنا و لا حبة من محصولنا!’ صرخ احد الرجال.

استدار القايد نحوالجنرال ليترجم له لكن هذا الأخير رفع يده فهو لا يحتاج مترجما ليفهم ما قاله ذلكالرجل, فنظرة واحدة في اعينهم المشتعلة حقدا و كراهية كافية لتفهمهم, فلغة العيونابلغ. رفع الجنرال يده فإذا بجنوده يخرجون من كل مكان الى ان احاطوا اهل القرية منكل مكان و صوبوا بندقياتهم نحوهم, حينها فهم الجميع ان الجنرال لم يكن يطلبهم.

و في لحظة صمتفيها جميع الرجال امام تهديد البندقيات خوفا على حيواتهم, وقفت امرأة  شامخة رأسها اعلى من كل الرؤوس ناظرتا للجنرال وكأنه هو و جنوده لا شيء. لم تكن سوى السيدة فاطمة.

’يا أيها القايدترجم للجنرال ما سأقول’ قالت السيدة فاطمة. صدم الجميع من شجاعتها اما البعض فظنانها فقدت عقلها. حاول القايد إثنائها عن الكلام لكن الجنرال امره بالترجمة.فأكملت قائلة :

’ كيف تطلب منااخذ ارضنا و كأنك تطلب شيئا رخيصا؟ أرضنا هذه بدلنا الغالي و النفيس في سبيلها,أرواح اسلافي بذلت دفاعا عن ارضي, فما الذي يجعلك تعتقد اني سأتردد في ان أضحيبروحي؟ و أني سأخاف من بطش جنودك و أسلحتهم.’

صمت الجنرال لبضعلحظات, في هذا الوقت القصير تسارعت دقات الحضور و ازداد التوتر و الخوف. الخوف منان كلامها قد يغضب الجنرال و يأمر جنوده بقتل الجميع. بشكل غير متوقع, اكثر الحضورخوفا كان القايد و أقلهم كانت السيدة فاطمة. أما عصام الصغير فقد كان يرى أمه تقفبكل حزم أمام جيش من الرجال.

ظل الجميع يترقبرد الجنرال بخوف و ترقب إلى أن ابتسم و قال :

’رغم انك تحديتنيلكني سأسمح لك هذه المرة. لكن ان كنت مصممة على التضحية بحياتك, فهل انت مستعدةللتضحية بحياة الصغير الذي معك؟’

صدم كلام الجنرالالسيدة فاطمة, فقد علمت من إجابته أن هذا الرجل داهية و مكار. فقد علم ان التهديدبالسلاح لن ينفع معها و انها كانت بالفعل مستعدة للتضحية بحياتها و لكن بجوابه هذاايقظ فيها غريزة الامومة و أعاد ترتيب أولوياتها.

أمر القايد الجميعبالعودة إلى منازلهم و ان لا يغادروا منازلهم في اليوم الموالي حتى يأتي الى منزلكل واحد و يقوم بإحصاء ممتلكاتهم. 


2
0
0

Anonymous {{ comment.name }} {{ comment.date }}
{{ comment.text }}
Anonymous {{ sub_comment.name }} {{ sub_comment.date }}
{{ sub_comment.text }}