• انشر كتاباتك
  • احصل على آراء وتقييم آلاف القراء والكتّاب
  • طوّر مسيرتك الكتابية

سجل حسابك الآن وابدأ رحلة الكتابة!

إنشاء حساب تسجيل دخول
في انتظار جودو مرّة أخرى
في انتظار جودو مرّة أخرى
Google+
عدد الزيارات
1,141
ثمّة خوف داخل كلّ منّا من الطُرقات التي تؤدّي إلى اللامكان. أحد كوابيسنا الأكثر رُعبًا هو التّيه في الصحراء. الأفق المفتوح، يصلُح لتُمتع ناظريك فيه، لكنك عندما تصرخ على قمم الجبال ولا يعود صوتك إليك، لا يعود صداه، سُرعان ما سيتحوّل هذا المشهد الرومنسي إلى مصدر هلع.

أعتقد ان أعظم عذاب وأكتر الأمور ترويعًا، هي أن يُسلمك أحدهُم إلى الفراغ. الإعدام شنيع للمُتّهم، لكنّهُ في قرارة نفسه، إذا ما نبشنا في قلبه سنرى أنّ ثمّة سعادة صغيرة، مخفيّة، نائمة، تستيقظ إذا ما سمع أن النهاية حانت وأنّ الفراغ سيمتلئ.

كان قد طال مسيري في الطريق، وبدأت التقرّحات تظهر في أسفل قدميّ، فتوقّفت لأستريح لبُرهة من الزمن. عندما ظهر فلاديمير واسترغون وهما يحملان تعب المسير ووقفوا إلى جانبي، وكعادتي مع الغرباء أبقى متوجّسًا، إنّها لعادة سخيفة تلك التي حملتها معي من طفولتي.

هممت لأخلع حذائي، وقلت دون توجيه الحديث إليهم: حذاء لعين

رد فلاديمير: “هذا هو الإنسان! يشكو حذاءه والعلّة في قدمه”. حتّى تجرّأت أخيرًا وسألتهم ماذا ينتظرون، فقالوا معًا، كأنّهم أعضاء فرقة موسيقيّة: “ننتظر جودو”.

“جودو! من يكون؟”

“يعني هو.. بالكاد نعرفه” – قال فلاديمير

“وأنت ماذا تنتظر؟” – سألني استرغون

“أنتظر نهاية الطريق، تعبت من المسير بلا طائل، أبحث عن نهاية كلّ هذا. كأنني أمشي منذُ ولدت، لوحدي”.

“نعم، تبدو الطريق طويلة عندما يسلكها المرء بمُفرده” – قال أحدهم، ما استطعت تمييزه.

لبثنا جميعًا صامتين لفترة طويلة، حتّى كسر هذا الحاجز استرجون، وقال موجّهًا الحديث لنفسه: “لا شيء ينقضي، لا أحد يأتي، لا أحد يذهب، هذا رهيب”

“فلنرحل” – باغته فلاديمير.

“لا نستطيع” – ردّ استراغون.

“لماذا؟”.

“نحن في انتظار جودو”.

“صحيح” – قال فلاديمير.

كنتُ قد تعوّدت على هذين الغريبين، فسُرعان ما يعتاد المرء على أمورٍ لم يكُن يتوقّع اعتياده عليها، يا لنا من كائنات غريبة. سألت موجّهًا الحديث إلى فلاديمير (لا أعرف لماذا اعتبرته الأكثر طيبة): “منذ متى وأنتما تنتظرانه؟ إذا كان سؤالي مُمكنًا”

“لا نعرف” – رد فلاديمير

“كُنّا هُنا البارحة على ما أعتقد” – تابع استرغون

“لكن يا سادة، هل أنتما متأكدان من قدومه؟ أعني، ألم يضرب لكما موعدًا مُحددًا؟” – قُلت

“لا، قال أنهُ سيأتي السبت” – أجاب استرغون

“لكنني أعتقد أن اليوم هو الخميس” – قال فلاديمير

“حسنًا، سننتظر إلى ما بعد غد”

“سأرحل”

” لا تستطيع، أعتقد أننا مُقيّدون”

“ممّن؟”

“من جودو، قيّدنا بفكرة انتظاره” – أجاب استرغون

“إسمحا لي يا سادة، أن اسأل” – قلت ذلك بينما أُعيد حذائي إلى قدماي لأُكمل المسير، ثمّ أضفت: “جودو هذا، الذي لا تعرفونه مُسبقًا، تُريدونه أن يُخلّصكم أليس كذلك”

“نعم، يبدو أننا ننتظره من أجل ذلك” – أجاب أحدهم

“حسنًا، إن أتى هذا المُخلّص على حصانٍ أبيض كالقصص الخياليّة أو على شكل مسخ من المسوخ، هل سيفرق هذا عندكم؟ هل لخلاصكم شكل محدّد تتوقّعونه؟”

“بالنسبة لي، وأنا في هذا الموضع، إن كان قدومه على شكل موتي لكنّهُ سيُخلّصني من الذين يأتون ليضربونني، فلا مانع عندي” – قال استرغون

“ما زالوا بضربونك؟” – سألهُ فلاديمير

“نعم”

“عددهم؟”

“عشرة”

بينما أنفض غُبار الطريق عن هدومي، تحدّثت لآخر مرّة معهم لأتابع طريقي، وقلت: “هذا بالضبط ما كنتُ احدّثكم عنهُ يا سادة، يكمن الخوف كلّه اليوم في هذا الأفق المفتوح، شعورنا بلانهائية هذا العذاب، بأنّ هذا السقوط الحرّ لن ينتهي بارتطامنا بالأرض، بل سيستمرّ خوضنا في هذا الفراغ، فحتّى النهايات الكارثيّة، كالتهشّم على وقع الإرتطام، تصلُح كتعويض لمجرّد أنّها نهاية”

• لمن لا يعرف: فلاديمير واسترغون هما بطلا مسرحية كتبها الإيرلندي “صمويل بيكيت”، ينتظرون جودو هذا، ولا يأتي أبدًا.


النص موجود هنا مع نصوص اخرى: 

https://ahmaddakka.wordpress.com/


3
1
0

Anonymous {{ comment.name }} {{ comment.date }}
{{ comment.text }}
Anonymous {{ sub_comment.name }} {{ sub_comment.date }}
{{ sub_comment.text }}