• انشر كتاباتك
  • احصل على آراء وتقييم آلاف القراء والكتّاب
  • طوّر مسيرتك الكتابية

سجل حسابك الآن وابدأ رحلة الكتابة!

إنشاء حساب تسجيل دخول
في نهاية الطريق
في نهاية الطريق
" تَفقدُ عزيزاً ؛ فتغدو مِن ألَمِ الفُراقِ جريحاً مهمومْ ، فلا يداويكَ سوى الرضا بقضاءِ الله و الصبرُ على المْقسوم ؛ فَتُجْزَى على رِضاكَ بِعوضٍ _تغدو منه واثقاً أن العليمَ لا يقضي بِمَذْمُومْ_ . "

" نور "  

أنا نور ، رَزَقَ بي الله والداي بعد طول انتظار ،أسماني أبي نور ؛ لأكون أنا النور الذي يُبَدِّدْظلام أعوام الحرمان التي سبقت مجيئي ، وكما لونتُ حياة والداي بالألوان المبهجة بعد أنكانت بالأبيض و الأسود كنتُ أُلَوِنُ لوحاتي . 

نعم كنتُ أمهر رسامة في السابعة من عُمْرِهَا ،كنتُ أُعَبِّرُ عن كل شئ و أي شئ بالرسم ، كنتُارسم أفراحي و أحزاني و أحلامي و أسراري . 

حتي صِرْتُ في السادسة عشر من عمري ،أُصِبْتُ في حادثٍ خرجتُ منه نور تعيش فيظلام ، لا لوحات ، لا ألوان ، لا حلم التحاق بكليةالفنون الجميلة ، لا شئ سوى الظلام الذيسُجِنْتُ بداخلهِ و عَزَلْتُ نفسي عن العالم ، عنعباراتِ العطفِ ، عن العجزِ الذي لم أُجَرِبُهُ قطْ ،عن لوحاتي التي لم أَعُدْ أراها ، عن حُلُمِي الذيخسرتُهُ للأبد . 

حتى دخل عليا أبي غرفتي ذات يومٍ ، و قال لي: "أنا لا أتحمل رؤيتك هكذا" ، و أخذ يحدثنيعن رحمة الله و حكمته في الإبتلاء و قدرته فيالعوض ، و قال لي الجملة التي غيرت حياتي_كنتِ أنتِ عوضي فثقي أن العوض آتيكِ وكنتِأنتِ نور حياتي فلن يُطْفِؤكِ الظلام_ . 

و من هنا بدأتُ أفكر  "إن كنتُ فقدتُ أعز مايملكهُ الإنسان و لم أُفَارِقْ الحياة فهذا دليلعلي أن هناك حكمة من بقائي وأن لي دور معقليل من الرضا و الصبر سأجدُ قوتي الجديدةالتي بها سأقوم بدوري" .

و بدأتُ أتذكر شغفي بالموسيقى و حين ركزتأكثر وجدتُ أن لدي ما يؤهلني لأنجح في هذاالمجال و أن الظلام لن يعوق بيني و بين هذاالهدف ؛ فقررتُ الالتحاق بمعهد الموسيقى . 

و جاء ثاني عوض و قولتُ الثاني لأن الأول_كان أهلي و أصحابي و قدراتي التي ينبهربها الجميع_ ، أما العوض الثاني _عمليةجراحية_ صحيح أنها لن تبدد الظلام تماماًلكنها سَتُحَوِلُهُ إلى ضباب ، صحيح لن أرىبوضوح و لن أرى لوحاتي و ألواني لكنيسأرى النور و ألوان الحياة ، و كأنَّ الله حين رأىرضايّْ أراد أن يرضيني ، و بدأتُ أول خطوةنحو حلمي الذي لم أختاره و لكن هو مناختارني .

أخذْتُ أمشي في طريق حلمي أتعثر و أقف وأقع و أنهض و أركض ؛ حتى وصلت إلى مكانصرتُ فيه من أشهر و أبرع العاملين في مجالي، و كان الحلم الذي اختاره الله لي _العوضالثالث_ .

صرتُ في السابعة و العشرين  من عمري ؛فكانت ترى أمي أنني لم يعد ينقصني سوىشريكُ دربٍ أُكْمِلُ معهُ باقي حياتي و كنتُ أقولفي عصبية لا ينقصني شئ ، و كنتُ أكذب فأناينقصني أجمل وأهم شئ ، لكني آثرتُ الوحدةفضلاً عن المحبين الذين كنت أرى في عيونهمالعطف لا الحب ، أو الإعجاب الذي سرعان ماسيتحول إلي ملل من علاقة سأكون فيها الطرفالذي يأخذ أكثر مما يعطي ؛ بسبب عجزي .

لم أجد عينًا فيها حب حقيقي يخلو من الشفقة_حب لن يصيبه الملل و لا التعب من العطاء_ ،لكني كنتُ راضية و انتظر العوض الرابع . 

و في يوم من الأيام جائتني رسالة من صديقتيتقول لي : "صديق أخي يريد أن تحددي لهميعاد لأنه يريد التحدث معكِ في أمر يخصعملك" ؛ فحددت له ميعاد و لم أكن أعلم أن هذاالميعاد هو الطريق إلى العوض الذي انتظره_العوض الرابع_ . 

 

" علي " 

على فراشي كنت متمدداً أنظرُ في اللاشئ ، وأحاول إستيعاب أن أبي و أمي في مثل هذااليوم من ستة سنوات تركاني و رحلا عن عالمناو أنا طالب بكلية الطب في الحادية و العشرينمن عمري و تركا لي أخت في الخامسة عشر منعمرها .

كنتُ أرغب في الصراخ و البكاء ، و كنتُ أرغبفي النداء عليهما حتى يستجيبا ، أرغب فيالركض حتى أصل إليهما لكني لم أفعل أي شئ، كانت كل هذه البراكين بداخلي و لم أفعل أيشئ ، أقف وسط الناس و لا أشعر بهم و لاأشعر بالدنيا لا أشعر سوى بالحزن و الحسرةعلى كل لحظة فوتُها دون أن أعيشها معهما ،أشعر بخوف لم أشعر به من قبل ؛ لا سند ، لاحنان ذهبا و تركا لي دنيا بلا دنيا ، و بالرغممن كل ما أشعر به قاومت لأجل أختي التي لميعد لها سواي .

اليوم رحلت هيا الأخري و تركتني لا أعرف لأجلمن سأؤجل انهياري ؟! لأجل من سأقاوم الألم والحسرة ؟! لأجل من سأحول عجزي أمام الفراقإلى قوة أعيش بها ؟! لأجل من سأعيش ؟! .  

ظَللتُ على فراشي أسابيع لا أذوق من الزادسوى ما يبقيني حياً ، و في يومٍ قررت أن أنزلإلى الشارع و سط الناس ؛ لعلي أشعر بالدنياالتي لم أعد أشعر بها .

و في إحدى المقاهي كان يجلس إلى جواريشيخ و فتى ، و جاءني الدعم الذي جعلنيأُكْمِلُ حياتي من ذلك الشيخ الذي لا يعرفني ولايعرف أني أسمعه . 

سمعته و هو يقول للفتى : "مهما أخذ الله منكيا بني فبقدر ما أخذ سيعطي و ما دام لم يأخذروحك فله حكمة في بقائك ؛ فلا تحرم نفسك منالدنيا و تعيش تتحسر على ما فقدت و تعطلالحكمة من بقائك ، فصدقني يا بني طريقالعوض لا بد من أن يبدأ بالفقدان و الألم ؛ فلاتحزن فأنت في بداية طريق سعدك فقط ارضيو اصبر" .

عدتُ إلى المنزل بعد أن أعطاني الشيخ الأجابةعن سؤال لماذا سأعيش ؟! ببساطة سأعيشأنتظر العوض و أنفذ الحكمة من بقائي و عِشْتُأيامي في رضا و صبر و رأيت عوض الله فيعملي ؛ فبعد عامٍ صرتُ من أمهر و أشطرالجراحين .

حتى قررت في يومٍ أن أحقق حلم أختي رحمهاو أُكْمِلُ بناء مدرسة الموسيقى التي كانتستفتحُها أختي قبل أن تموت ؛ فقال ليصديقي : "إن صديقة أختي مشهورة بالكفاءةفي هذا المجال و يمكن أن تساعدك ؛ فطلبتُ منهأن يحدد لي معها ميعاد . 

لم أكن أعلم أن هذا الميعاد كان يخبئ  وراءهالعوض الذي سيعيد إلى قلبي الحياة التيسُلِبَتْ بعد فراق أهلي . 

وجاء الموعد و التقا الإثنان ، و استطاعت نورأن تقرأ عين علي حيث أن نور لم تكن ترى شئفي حياتها بوضوح سوى العيون ؛ لأن العيونتعكس الروح و رؤية الروح تحتاج لبصيرة لابصر . 

و رأت نور في عين علي نظرة الحزن التيتغطيها لمعة الأمل و هي تعرف تلك النظرة جيداًفهي تملأ عينيها هي الأخرى ، و رأى علي فيعينيها حنان أمه و براءة و عناد أخته و قوة وصلابة أبيه ؛ فنشأ الحب بين روحيهما من أوللقاء و تَبِعَ الحب الزواج . 

و بعد أن صار علي و نور بصبر و رضا علىالطريق الذي رسمه الله لهما التقيا في نهايته ؛فكان علي لنور الحب الذي لا يشوبه عطف و لاشفقة و لا يصيبه ملل أو تَمَنُنْ و تفاخر بالعطاء، و عوضت نور علي بالعائلة التي حرم منها . 

و في النهاية إياك أن تسمح للألم في بدايةالطريق أن يسلِبُكَ الصبر الذي ستصل به للفرحفي نهاية الطريق ، فقط قاوم و لربما تكون أنتالعوض لعوضك و أن هناك من يقاوم هو الآخرليصل إليك في نهاية الطريق .


15
3
4

Anonymous {{ comment.name }} {{ comment.date }}
{{ comment.text }}
Anonymous {{ sub_comment.name }} {{ sub_comment.date }}
{{ sub_comment.text }}