• انشر كتاباتك
  • احصل على آراء وتقييم آلاف القراء والكتّاب
  • طوّر مسيرتك الكتابية

سجل حسابك الآن وابدأ رحلة الكتابة!

إنشاء حساب تسجيل دخول
في مسكن الحب تتهادى الأرواح (الجزء الثاني والأخير) ... بقلم: علي شهبي
في مسكن الحب تتهادى الأرواح (الجزء الثاني والأخير) ... بقلم: علي شهبي
ما أن رمقها ببصره حتى صعد عثمان فوق الشجرة, مبتسما كالقط تشيشير في قصة "أليس في بلاد العجائب", يراقبهن خفية وهن لا يعلمن أمره...رقصت النساء في الماء.. مهللات بالفرح الطفولي... تلاعبن بالماء والرياح... وقلوب الحب طيور تسبح في أجوازهن... كان يراقبهن كأنه طائر الباشق أو المنظار الفلكي أو عباد الشمس... وما أن غادرنها النساء وتركنها لوحدها... حتى قفز من على الشجرة وركض نحوها كأنه سهم مارق, مرق عن ملة أبيه الأولى (قوسه) وخرج عن دين الآباء والأجداد وما توقف إلا عندها.

بُهتت فتاة الأمازون من جرأة هذا الغريب وهو ينظر إليها كرائي المعاجز, فاغر فاه, مرخي يداه, عيون حاجظة وقلب نابض, نظرتْ إليه ثم غطست تحت الماء, تبعها وحملق بعيونه تحت المياه ولم يجدها ولا وجد لها أثرا, شكك نفسه فيها حتى أنكر أن تكون من عالم الإنسان وألحقها بمملكة الجان.


عاد وهو خالي الوفاض, يسير كالهائم, عيونه في الطريق لا ترى إلا إياها, وصل إلى كوخه وهو عشقان, مملوء ببارود الحب وهو يطقطق بصوته في قلبه لا يتركه ينام, لأول مرة يختبر السُّهاد ويكتشف سر السهر والأشعار.

بزغتْ الشمس بنورها, العالم فجأة صار في عينيه أجمل, تراءى له طائر الفاخت وهو يحلق بألونه الزاهية فوق كوخه الصغير, الأشجار أشد خضرة في الألوان, خرير المياه أكثر صوتا في وقع الآذان, كل شيء ازداد رتبة ودرجة, قلبه مسموع نبضه, يده ترتجف, عيونه لا تبصر إلا صورها في الأمكنة, ماذا يحدث معي يارب... هذا ما قاله عثمان.

أما الفتاة, فقد عادت من الماء إلى ديارها, أخبرت صديقاتها بحديث الغريب, أخبرنها أنه عاشق ولقربها يلاحق, ابتسمت واحمرَّت وجنتاها, فالحب في الأمازون جد مقدس, قداسة آلهة الحب في الإغريق والرومان, قداسة أفروديت وإيروس, قداسة كيوبيد وفينوس.


عادت إلى النهر, تؤمن بالقضاء والقدر, عاد إلى النهر وهو يؤمن بالخوارق والمعجزات, التقاها هناك, أبصرها وأبصرته, وحامت حولهما فراشات الحب الماحية للأسماء والمثبتة للكينونة, وظللت الأشجار بتجاويفها أشعة الشموس والأقمار, وتحركت رياح العشق, ومالت السنابل مع دقات القلوب, وقال لسان الحال:

- ما أجمل الحب وهو يعمر الفارغ في أرضنا.

- ما أجملك يا معمر الخالي وباني بيوتنا والمحافظ على نوعنا من الزوال.

أخذته من يده كإماءة لوحة "خَلق آدم" لمايكل أنجلو, مسحوب نحوها كالماء الرقراق وهو ينساب من أعالي الجبال هابطا إلى السفح والتلال.

وصلا إلى القبيلة التي هللت بمنحة السماء, أقاموا عُرسهما وشكروا المانح, واهب الصور والحب والجمال والروائح, وأخيرا اجتمع شملهما, أخذها معه إلى كوخه الصغير, تتعلم لغته ويتعلم لغتها وكان الحب هو المعلم المساعد والأستاذ المرشد.

الحب يجمعهما, يعلمهما الكثير عن فنون الحياة, يجمع المبعثر من خلافاتهما ويرتق ويخيط تجاربه إلى تجاربها كالذاكرة وهي تضم اللاحق إلى السابق, يقضيان وقتا ممتعا بصحبة بعضهما, لا يفتران عن الحديث والتواصل, متعة الكلام مع المحبوب, تتكئ برأسها عليه وهو يحضنها بيده, ينظر إليها وتنظر إليه, نظرة مخملية, حالمة, مشرقة, دافئة, هِرمسية, وأخيرا فتحا لغز المُلك والملكوت, لغز سدرة المنتهى, لغز الملأ الأعلى: (روحي وروحك كانتا متجاورتان في فُلك السماء وأخيرا عُدنا إلى بعضنا كحنين الأيائل إلى أراضيها والنوق إلى أوطانها), وكما قال ابن عربي: حنين الرجل إلى المرأة حنين الشيء لنفسه وحنين المرأة إلى الرجل حنين الشيء لوطنه.


133
0
1

Anonymous {{ comment.name }} {{ comment.date }}
{{ comment.text }}
Anonymous {{ sub_comment.name }} {{ sub_comment.date }}
{{ sub_comment.text }}