• انشر كتاباتك
  • احصل على آراء وتقييم آلاف القراء والكتّاب
  • طوّر مسيرتك الكتابية

سجل حسابك الآن وابدأ رحلة الكتابة!

إنشاء حساب تسجيل دخول
في مديح الخفّة
في مديح الخفّة
عندما هدّموا حيطان المنزل وجدوا أنهُ مدعومٌ بأثاثٍ جيّد، مرتّبًا ترتيبًا لا شائبة فيه وسمكةٌ في الحوض تسبحُ برخاء، وجدوا إسمها على بعض الأوراق، فطلب الجيران تفسيرًا.
"نعرفُ أنّ البيت مهجور" - علّقت سيّدة من سيّدات الحيّ.
"يبدو مسكونًا من عائلةٍ كاملة، يا للعجب" - تمتم صاحب محل الخضار.

فهي، لفرط خفّتها، لم تُلقي بظلّها على الحائط، لم تجلس على مقعد الحديقة كيّ لا ينزعج منها النّمل ويلعنها، سارت على أطراف أصابعها كيّ لا تُثير البلبلة عند من افترشوا الطريق. مسّدت جراح قطّةٍ تعبرُ الشارع وحملت ردائها بيديها كيّ يُكمل الهواء طريقه بأريحية، عندما وصلت إلى البيت وضعت وردة في قفل الباب حين علمت أن المفتاح تخرّب. جمعت أشيائها الرخيصة ورمتها من النافذة. وضعت رأسها على الوسادة ونامت تحت السرير.

لفرط خفّتها، خسرت كلّ ما كانت تخشى خسارته، لم يعرها أحدهم انتباهه، قضت عشرين يومًا في الغُرفة وعندما أرادت الخروج، كان الورد قد احتلّ الباب، فعدلت عن فتحه.

وقفت على النافذة وكان العالم قد تغيّر، أصبح شيئًا مفرطًا في الثِقَل، كأنهُ عجوزٌ ما عادت قادرة على تحريك قدمها سنتمترًا واحدًا إلى الاعلى، فأصبحت تجرّها جرًّا، كمن يجرّ خيباته خلفه.


عندما سألوا أصدقائها القلائل عنها، أولئك من عرفوها بفترات قليلة ومتباعدة، واجهوا صعوبة في تذكّرها بداية الأمر، حتّى في ذاكرتهم ما كانت لتُطيل البقاء، وصفوها بأنها كنسمة الهواء التي تُداعب آخر ورقة تركها الخريف خلفهُ، كشيءٍ عابرٍ كان هُنا يومًا، مثل مذاقٍ حلوٌ أو طيْف ذكرى لا تعرفُ مصدرها، كأنها شخصيةً ابتدعها الخيال لتُسلّيه أوقات فراغه.


لم يعرفوا اسمها، سمّوها طيفًا تركتهُ صاحبته وتوارت عن الانظار، كظلّ شجرةٍ مقطوعة، كرسمة في كرّاس طفلةٍ تُجيد رسم الفراشات عبر سكب العصير على الورق.


"أثرُ الفراشة لا يُرى،

أثرُ الفراشة لن يغيب".


16
0
0

Anonymous {{ comment.name }} {{ comment.date }}
{{ comment.text }}
Anonymous {{ sub_comment.name }} {{ sub_comment.date }}
{{ sub_comment.text }}