• انشر كتاباتك
  • احصل على آراء وتقييم آلاف القراء والكتّاب
  • طوّر مسيرتك الكتابية

سجل حسابك الآن وابدأ رحلة الكتابة!

إنشاء حساب تسجيل دخول
فصلٌ جديد .. قديم
فصلٌ جديد .. قديم
تقف المعلمة لتصفنا بطابور طويل متشابكي الأيدي كرفقاء النيل ، أسند جسدي على الحائط متجنبةً يد زميلتي في المقعد و الطابور ، ما إن نصل لنهاية الدرج حتى تنحل المسبحة و تتناثر حباتها ، كل إلى بيته و كأنهم يهربون من معتقل كبير ......

اليوم هو اليوم الأول من الفصل الدراسي الجديد ، كل شيءٍ جديد ، الروتين قد انكسر ، الأيام الفارغة قد امتلأت ، حقيبة المدرسة المركونة في رف الخزانة قد تم إحياؤها من جديد ، كل الأحذية القديمة المغبرة أصبحت اليوم لامعة براقة ، حتى الجوارب المغلفة بكيسها البلاستيكي التفت اليوم حول القدمين ، مصروفنا المدرسي و حقنا اليومي قد ردّ إلينا ، لطالما راودني هذا السؤال مذ كنت طالبة في المدرسة : لم تحجب أمي عنا المصروف في العطلة ؟ ، ألسنا أنفس و كل نفسٍ تشتهي ؟  فتأتيني الإجابة من آخر حجرةٍ في رأسي ، مؤونة البيت كافية ، و إن لم تكفِ لسد شهواتنا الصغيرة و لكن القناعة كنزٌ لا يفنى .

اليوم الأول مملٌ للغاية ، رتيب و حزين و قاسٍ على الجميع،  المعلمين و الأساتذة قبل الطلبة ، فكلٌ منهم ودع ظل بيته الدافئ و ترك نار المدفأة ، ليلتمس نار العلم الوهاجة .

الطرق ممتلئة حتى آخرها ، أقدام السابلة تقرع الطريق و كأنها مظاهرة أطفالٍ سلمية ،يخرجون كل صباح لتحقيق مطالب لا يعرفونها ، الفقراء منهم حفظت أقدامهم الطريق الذي يذرعونه كل يوم و لسنوات ، المترفون منهم و أبناء الدخل الجيد تحملهم السيارات الخاصة أو حافلات المدارس الخاصة  ، أكره حافلات الدارس الخاصة ، لأنها تعطيني شعوراً بأن هؤلاء الأطفال أطفالٌ لأبوين بعيدين كلفوا مربيات و سائقين ينوبون عنهم لخدمتهم ، عند بوابة المدرسة الزرقاء ، أشعر بالاختناق و الضيق ، و كأنها زنزانة معتمة تسرق الأنفاس ، يقرع الجرس و تبدأ الجولة الأولى من العرض العسكري للمبتدئين ، جنود صغار متمايلون لا يعبأون بالقادة الصغار و لا القائد الكبير ، يتناولون ما تبقى من فطورهم ، يتبادلون أطراف الحديث بصوت شبه مسموع ، مع أنهم على درايةٍ بأن هذا خاطئٌ و ممنوع ، و لكن لا بأس اليوم ، فاليوم هو الأول ، و لأن العقوبات لم تتجدد على مسامعهم بعد .

القائد الكبير و هو المدير طبعاً معتدل البنية و طويل ، تبدو عليه مهابة الوزير بين طاقمه و معلميه ، يعتلي المنصة و يبدأ بالتعليمات و التوجيهات و يسرد كل شيءٍ موجود في عريضته ما بين واجبات و عقوبات .

إذن هذا هو المقر الأخير لمسيرة الطلبة السلمية ، و على علات و سيئات اليوم الأول إلا أنه جيد ، لعدم وقوفنا لسماع الإذاعة المدرسية ، يبدأ السلام الوطني ثم أناشيد وطنية ترافقنا إلى الفصول ، آه كم تمنيت لو تعزف مقطوعة موسيقية أخرى ، أو تصدح فيروز من هذه السماعات الكبيرة ، و يجلس كل طالب و زميله على طاولات صغيرة ، يتبادلون أطراف الحديث مع قهوة عربية ساخنة ، كم هو جميل ، أستيقظ على ارتطام قدمي بالدرج القديم ، و بحائط عليه رسومات قديمة لشخصيات كرتونية تمنيت لو كانت تاريخية عريقة ، يتوجه كل سجين لمهجعه ، أوه أقصد كل طالب لفصله ، المقاعد مغبرة يبدأ الجميع بمسح طاولاتهم و كراسيهم ، أنظر حولي أرى الجميع يتجاذبون أطراف الحديث لكن بدون قهوة و بدون فيروز ، ادخروا كل ما دار و حدث معهم في الأسابيع القليلة بحجرة مغلفة داخل عقولهم ليتم الإفراج عنها اليوم ،طبعا منها ما هو مختلق و الكثير منها كذب و مؤلف بخيال بسيط ، و القليل منها ما هو صادق مع القليل من التنميق و التعديل ، أخيراً تحضر المعلمة ، و تعود زميلتي في المقعد لتحط بجواري بعدما هربت من سكوتي الطويل ، تهنؤنا ببداية الفصل الجديد ، متمنيةً لنا فصلاً ملؤه التقدم و النجاح بعدما أسمعتنا عريضة كاملة مذكرةً فيها بأخطائنا في الفصل المنصرم و بدرجاتنا الرائعة في الاختبارات النهائية ! ، ثم تجلس على الكرسي مع سجلاتها المتنوعة ذات اللون الواحد ، و قائمة بأسمائنا معلنة فيها عن المتفوقين في الصف و الأوائل منهم .

تعود الطالبات لاستكمال حديثهن المنقطع ، و أعود لقراءة روايتي ، تلاحظني المعلمة ، تدور حولي محاولة استراق النظر لاسم الرواية و تحاول جاهدة معرفة اسم الكاتب حتى لا تبدو كوعاءٍ فارغ أمامي ، نتبادل أطراف حديثاً لم أكن البادئة فيه،  تعود مرةً أخرى إلى كرسيها سارحة بخيالها ، أراهن أنها تتذكر هذه الفترة من حياتها عندما كانت في مثل عمري ، تتذكر كيف كانت تقضي أوقات فراغها مع أمها و خالاتها و الأقارب و صديقات الحي ، و أنها لم تحظَ برواية أو كتاب آخر لتقرأه غير الاستراحة في الجريدة التي كان يقرأها والدها في الصباح و طيلة الأسبوع، تعود بنظرها إلي و أراها بطرف خفي ، ترقبني بنظرة تحمل الكثير ، و بإبتسامة خفيفة ترسم على وجهها ، أسمع رنين الجرس و أبقى قابعةً في مكاني ، أنظر فلا أجد أحداً داخل الفصل ، كأنهم فراشٌ منتشر ، و لكن في بقعة معينة هناك كنز وقع عليه الجميع و هو مقصف المدرسة ، مؤونة المواد الغذائية ، أنظر إليهم كيف يتناولون طعامهم ، إما بنهم شديد أو فتور بارد ، لأنه بالنسبة للفئة الثانية تقليد رتيب ، يدق الجرس مرة أخرى و لكن بسرعة أكبر ، يصطف الطابور من جديد،  لا وجوه ناعسة و لكن شبه مستيقظة ، المدير المولع بالمايكرفون يلقي كلمته ، أناشيد متشابهة مختلفة تصاحبنا للفصول ، الدرج ذاته و الحائط أيضا ، يعود الجميع لمسح المقاعد لأنه اليوم الأول ، أجلس  ولا شيء جديد ، أستكمل قراءة الرواية و لكن بعمق أقل ، لأن الأصوات الخافتة تصل إلى مسمعي ، أرى متلصصة تجلس بجواري ، إنها الفتاة المنبوذة في الصف ، ليست محبوبة أبدا تسألني عن الحال فأرد بحماس مصطنع مع ابتسامة مقتضبة ، يتبعه سكوت مميت ، أرقبها بحذر و أتصنع القراءة بالرواية ، تتركني لتدخل في حلقة نسائية مصغرة ، تحاول الحديث و جذب الانتباه ، أبتسم بداخلي ، لأن الوحدة أفضل بكثير من طيفٍ عابر على الناس و ثقيل ، تقف المعلمة لتصفنا بطابور طويل متشابكي الأيدي كرفقاء النيل ، أسند جسدي على الحائط متجنبةً يد زميلتي في المقعد و الطابور ، ما إن نصل لنهاية الدرج حتى تنحل المسبحة و تتناثر حباتها ، كل إلى بيته و كأنهم يهربون من معتقل كبير ، نظرات المديرة ساخطة ، تهدر الحافلات و السيارات معيدةً كل طالب لبيته ، ليرتاح من عناء يوم طويل بالجلوس ، معانقين وسائدهم استعداداً لنوم عميق طويل و ليومٍ جديد .


33
0
0

Anonymous {{ comment.name }} {{ comment.date }}
{{ comment.text }}
Anonymous {{ sub_comment.name }} {{ sub_comment.date }}
{{ sub_comment.text }}