• انشر كتاباتك
  • احصل على آراء وتقييم آلاف القراء والكتّاب
  • طوّر مسيرتك الكتابية

سجل حسابك الآن وابدأ رحلة الكتابة!

إنشاء حساب تسجيل دخول
فشلٌ مُجدٍ
فشلٌ مُجدٍ
هرجٌ و مرجٌ , ضجّةٌ لا تُحتمل, جلبةٌ تكاد تصمّ أذناي, قلبي يرتعش, أشعر بالغثيان, أريد أن أبكي!
صخبٌ مُضنٍ, قهقهاتٌ سمجةٌ تقابلها تنهيداتٌ متحسّرة,كلماتٌ شامتة, لم أعد أشعر بكلّ من حولي, بت ُّمشوشّة, لا أقوى على الحركة, أريد أن أنام!
عالقة في دوّامة من الأفكار, زارني دوارٌ ثقيل, صداعٌ يستوطن رأسي, أحدهم يربتُّ على كتفي, تمتماتٌ تعلو أذناي, أستعيد بعضًا من إحساسي. الآن, تبلوّرت أفكاري, استعدتُ إحساسي, لكن كفى!

استمرّ الحال على هذا المنوال المُرهِق  في صفي, القابع في الطابق الأوّل من مدرستي التّي تقع جنوب بلادي, خلال حصّة الفيزياء التي تحوّلت إلى حصّة "فراغ"نتيجة غياب المعلّمة. و ذلك بعدما اغتنمت رفيقاتي المتعبات الفرصة, فجلسنّ سويًا يتجاذبنّ أطراف الحديث عن كلّ شاردةٍ و واردةٍ, يعلّقنّ على أمرٍ فائتٍ, و يضحكنّ على كل حادثةٍ سخيفةٍ تافهةٍ كانت أم مضحكة بحقّ. هذا كلّه ولّد ضجّة حقنتني بالإرهاق و الإعياء على الرغم من تنبيهات المعلّمة, الموكّل إليها إدارة الصّف في تلك الحصّة , بضرورة خفض مستوى أصواتهنّ. لكن حدّث و لا حرج!  تساءلت عن سبب حالتهنّ هذه و ضحكهنّ المفرط,لكنّني لم أعثر على إجابةٍ جليّة نتيجة اضطرابي. وقتذاك, آثرتُ اجتناب مجلسهنّ والانزواء على مقعدي لأقرأ كتابًا يتناول عرض محطاتٍ من حياة كاتبي المفضّل غسّان كنفاني . تناولت الكتاب من حقيبتي المدرسيّة, و باشرت بالقراءة. حاولتُ مرارًا وتكرارًا القراءة, مرة, مرتين, ثلاث مرات, لكن محاولاتي تلك  أسفرت عن فشلٍ ذريعٍ.

 فشل؟ هل قلتُ كلمة "فشل"؟  يا إلهي, أجل ,تذكرت! تذكرت السبب! فكلّ ما كنّا نعانيه كلنا من أسى و خيبةٍ كان وليد فشلنا أو لنقل إخفاقنا في اجتياز الإمتحانات النصفيّة بنتائجٍ تُشبع طموحنا و تطلعاتنا. فالإرهاق الّذي استوطن أرواحنا, حوّلته صديقاتي إلى ضحكٍ مفرطٍ و إلى ثرثرات. أمّا أنا فحوّلته إلى نحيبٍ و من ثمّ إلى تحدي فتحرّرٍ, و ذلك بعدما قضيتُ ليالٍ بأمّها و أبيها أبكي و أندب حظيّ التعيس. فلطالما جنيتُ علاماتٍ مميّزةٍ في كلّ مادةٍ دون استثناء, و أحرزت المرتبة الأولى أو الثانيّة على صعيد صفي في مسابقاتٍ متنوّعة. لكن المفارقة هذه السّنة عمومًا, و في هذا الفصل خصوصًا, أنّ علاماتي تدنّت إلى أدنى مستوياتها السنويّة بعد هبوبٍ كتل حظٍ منحوسةٍ على سنتي الدراسيّة.  فالتراجع الدراسيّ هنا لم يكن في مادةٍ أو اثنتين فحسب, بل كان في كل المواد دون استثناءات. و علاماتي لم  تتدنَّ درجتين إنّما درجات. أمام الواقع المرير و الأليم ذاك, قامت القيامة و لم تقعد داخلي, في أعماق قلبي. عصفت في روحي رياحٌ عاتيّة محمّلة بشتى أنواع الكآبة والإحباط و  ارتفع منسوب الدّمع في مقلتايّ فانهمرت منهما شلالاتٌ من  الدمع المقهور الذي  لم ينقطع تدفقه إلّا بعد أربع ليالٍ و نيّف. كابدت خلال فترة توزيع العلامات وجعًا فعل بي ما يفعله الخنجر بالجسد, نعتّ نفسي حينها بالفاشلة العاجزة. صراحةً, لم أقوَ على فعل شيءٍ في ذينك الوقت و الزمان سوى التأمّل. تأملت كثيرًا في أعماقي و استغنيت عن عالمي الخارجيّ. فكرت ليلًا و نهارًا في نفسي و في ما أفعله بها. فضّلت العزلة وقتها هربًا من نظرات الجميع الّتي كانت مصوّبة نحوي, أو بالأحرى نحو علاماتي. هربتُ من العالم الخارجي إلى العالم الذي يقطن داخلي. واقعًا, في العزلة نتعلّم الكثير, نكتشف ذواتنا, و نبحر في ثنايا نفوسنا لنجد أنّ الفشل لا وجود له فيها إنّما هو متجذّر في منهاجنا المدرسيّ المتخلّف. اكتشفتُ بعد انقضاء بكائي, و رحيل سحابة الحزن التي كانت تعسكر فوق رأسي, أنّنا نتلقّن تعليمًا قائمًا على المادّة فقط لا على الروح, و أنّنا نتعلّم في مدارسنا كيفيّة تجميع العلامات لا كيفيّة اكتناز المعلومات بالطريقة الصائبة, حتى أضحينا عبيدًا لعلاماتٍ "عالية" أو "متدنية" و ألعوبة في يدها.لم أتحمّل فكرة أن أكون عبدًا لغير خالقي, بل كرهتُ حينها نفسي لبكائي على"شقفة" علامات, فقرّرت أن أسعى للحريّة! صدقًا, كبرتُ بمقدار اثنتي عشر سنة إضافيّة في عزلتي تلك بعدما اكتشفتُ اثني عشر سرَّا وجوديًا كان خفيًّا عني.  و بعد انجلاء تلك الحقائق و تحرّري, أتى حين التحدّي, فمسحت بقايا الدمع, و خرجتُ خارج دوّامة التعاسة,  و من ثمّ وقفت قبالة مرآتي الشاهدة على  مختلف تقلباتي. تنفست الصعداء, لبستُ ثيابًا تقصّدت أن تكون ذات ألوانٍ فرحة, وضعتُ صورة غسّان كنفاني قبالتي و عاهدته:" غسّان, يا أمل كل شابٍ و شابةٍ  يسعيان نحو حياة حرةٍ, قبلت التحدي مثلما قبلته أنتَ دومًا." خطوت خطوتين إلى الخارج, نظرت إلى كلّ شيءٍ حولي, ابتسمت لكلّ من مرّ بجانبي,فظنّوا أنّني بلهاء! وأخيرًا صرخت بأعلى صوتي متحديّةً كل ما يختلج في نفسي و كل كلمة محبطة توجهت لي قائلةً:" أيها التلاميذ, فشلكم هو معلّمكم, فعلى أعمدة فشلكم تُبنى نجاحاتكم. أمّا  أنتم يا عبيد العلامات ألم تحن ساعة تحرركم؟" و تابعت سيري إلى جنتي المليئة بالكتب.  


34
2
8

Anonymous {{ comment.name }} {{ comment.date }}
{{ comment.text }}
Anonymous {{ sub_comment.name }} {{ sub_comment.date }}
{{ sub_comment.text }}