• انشر كتاباتك
  • احصل على آراء وتقييم آلاف القراء والكتّاب
  • طوّر مسيرتك الكتابية

سجل حسابك الآن وابدأ رحلة الكتابة!

إنشاء حساب تسجيل دخول
بيت الأرواح/ إيزابيل الليندي
بيت الأرواح/ إيزابيل الليندي
كم يعيشُ الإنسان في نهاية المطاف؟...
أعاشَ ألفاً من السنين أم سنةً واحدةً؟
أعاشَ أسبوعاً أم عدة قرون؟
حتّى متى يموتُ الإنسان؟
بلْ ما معنى إلى الأبد؟
بابلو نيرودا

بدأت الكاتبة روايتها بهذه الجمل....

هي رواية اجتماعيَّة, سياسيَّة, تجنحُ إلى الخيال, والمحور الرئيس فيها حياة عائلة "ترويبا".

بدأت الكاتبة روايتها بهذا الإهداء: " إلى أمِّي وجدتِي وبقيّة النساء العظيمات في هذهِ القصة".......

ترصدُ الرواية بدايةً حياة عائلة "ديل فاله", وصراع الأب "سيفيرو ديل فاله" حتَّى يتوصَّل إلى رئاسة بلدية بلدة بعيدة عن مكان سكنِ عائلتهِ, وقد أودى سعيهُ إلى السلطة بحياة ابنتهِ "روزا" والتي وصفتها الكاتبة وصفاً يَصعبُ قليلاً الوصول إليهِ, فملامحها لم تُوجدْ في بشر, وقد كانت تراها أمها "نيفيا" كذلك, وحدستْ أنَّ ابنتها "روزا" لنْ تعيشَ طويلاً, لأنَّها لا تنتمي إلى هذا العالم.


"كلارا" هي الابنة الصغيرة لعائلة "ديل فاله" والتي تمتّعت بقدرات تفوق خيالَ البشر, ابتدأت هذهِ القدرات بتحريكها "للمملحة" على طاولةِ الطعام بفكرها دونَ التحرُّكِ من مكانها, التنبّؤ بالأحداثِ قبلَ وقوعِها _ مثلَ أنَّها تنبَّأت بموتِ أختها روزا, وموتِ كلبها بارّاباس, وأنَّها ستتزوَّجُ من خاطبِ أختها _ روزا_"إيستيبان ترويبا" عندما بلغت التاسعة عشر من العمر, رأت أنَّ والديها سيموتانِ معاً وستموتُ أمَّها مقطوعة الرّأس, تنبّأت بالزلزال الذي أصابَ "الماريَّات الثلاث" وبقيّة البلاد وبعددِ ضحاياه, تنبَّأتْ أيضاً بأنَّ ابنها نيكولاس فيما بعد _الذي قرَّرَ الإقلاع بالمنطاد _ لن يقلعَ, وغيرها من الأحداث الكثيرة, أيضاً كانت تتواصلُ معَ الأرواحِ بعدَ الموت, "كلارا" في الرواية تُمثِّلُ شخصيَّة البطلَ الإيجابي, كانَ الجانبَ الإنساني ظاهراً في شخصيتها بشكلٍ واضح.

بعدَ موتِ "روزا" بقيت كلارا صامتةً لمدة تسع سنوات, ولم تستطع كلُّ محاولات الأطباء أنْ تعيدَ لها نطقها, كما فشلتْ المحاولات المُرعبة التي تقومُ بها "النونو/الخادمة" بأن تعيدَ لها نطقها. وكأنّ في صمتها إيذاناً بأنَّهُ أبلغُ طريقةً للتعبيرِ عن الحزنِ الذي أصابها بعدَ موتِ "روزا".

 هذا الصمت عاودها بعدَ فتورِ علاقتها مع زوجها "إيستيبان" فكانت تكتفي بالإيماء, أو تردُّ عليهِ بكلمةٍ أو كلمتين عن طريقِ الخدم في البيت.

حوَّلتْ "كلارا" بيت الزاوية الكبير إلى مكانٍ للتواصلِ مع الأرواح واستدعائها, كما كانت تقومُ بالكثير بالأعمالِ الخيريَّة في حيِّ الإحسان, كانَ لا يطيبُ لها أن ترى فقيراً مُعدماً إلَّا وتساعدهُ, ورثَ هذا الجانب عنها فيما بعد ابنها "جيم", كما ورثتهُ حفيدتها "ألبا". 

ما يلفتُ في شخصيَّة "كلارا" أنَّ العالمَ خارجَ بيتِ أرواحِها بكلِّ حوادثهِ ودمويتهِ لا يعينها, ما يعنيها كان ما تقومُ بهِ لحيِّ الإحسان وأرواحها التي تتواصل معها على الدوام لأنَّها كانت على يقين بأنها وحدَها مَنْ تملكُ حقيقة الوجود, وفي زحامِ الأمور كانتْ تكتبُ ملاحظاتها عن الحياة...... الحياةُ أكثر ما كانَ يعنيها, وقد بدأتْ ملاحظاتها منذُ طفولتها, وقبلَ موتها _ الذي تنبَّأتْ بهِ قبلَ حدوثهِ بأيَّامٍ_ قامت بترتيبِ ملاحظاتها لكن ليسَ وفق مسارٍ زمني. 

"إيستيبان ترويبا/ زوج كلارا" 

عاشَ "إيستيبان" بعدَ أنْ أنهى تعليمهُ في مناجمَ بعيدةٍ؛ رغبةً منه في العثورِ على الذهب في مكانٍ ما, ليستطيعَ أنْ يُشكِّلَ ثروةً منهُ, وليجعلَ خاطبتهُ الأولى "روزا" تعيشُ حياةً تليقُ بها بعيداً عن الشقاء, وفي خضمِ بحثهِ عن الذهب يصلهُ خبرَ موتها, فيترك المناجمَ ويقرِّرَ أنْ يذهبَ إلى ضيعتهِ"الماريَّات الثلاث" ويعملَ في أرضهِ, كانَ في ذلكَ الوقت يريدُ أيَّ شيءٍ يصرفهُ عن حزنهِ . 

عاشَ في "الماريَّات" حياة سيِّدٍ مُتسلط, لا يعرفُ إلَّا البطش, استبدَّ بحياةِ الفلاحين وسيَّرها كيفما شاءَ رغمَ أنَّهُ نهضَ بالأرضِ بعدَ موتها, "إيستيبان" يمثِّلُ دور البطل السَّلبي الذي تتحكم بهِ أهوائهِ ونزواتِهِ, لا يستطيع السيطرة على انفعالاتهِ, كما أنَّهُ لا يملك أنْ يكتمَ غضبهُ متى حضرَ, تصل انفعالاتهِ إلى أختهِ "فيرولا" التي تعيشُ حياتها عازبةً تستغفرُ لذنوبٍ اقترفتها بفكرها, وينتهي بها غضبُ "إيستيبان" لطردها, فتعيش بقيَّة حياتِها في حيٍّ فقير تموتُ فيه, كما يطالُ غضبهُ ابنتهُ "بيانكا" التي يزوجها للدون "جان" بصفقةٍ, أيضاً لم يتفق بطبعهِ الغاضب مع ابنيهِ "جيم" و "نيكولاس".

يقومُ إيستيبان فيما بعد بالترشُّح لمجلس الشيوخ, ويصلُ إليه, ويدخل الصراع السياسي الذي تنازعتهُ العديد من الأحزاب السياسية, تمرُّ حياتهُ السياسية بدور قوة ينتهي عندَ وصول العسكريين إلى السلطة.

اقرأ أيضاً:

يبلغُ التسعين من عمرهِ وتخورُ قواهُ الجسدية ويهزل, وتقصرُ قامتُهُ ويُرْجعُ قصرَ قامتهِ وتضاؤل حجمهِ إلى اللعنة التي ألقَتْها أختهُ "فيرولا" عليهِ عندما أخرجها من حياتهِ, في هذهِ المرحلة من عمرهِ تلينُ عزيمته في المعارك السياسيّة, ويراجعُ حساباته مع ابنتهِ "بيانكا" ومعَ من حولهِ, ويخرجُ من الحياة السياسيّة ليغدو رجلاً لا سلطةَ لهُ على أحد وينتهي دورَ قوّتهُ ليموتَ على سرير زوجتهِ "كلارا" وهو يتمتمُ باسمها: كلارا المضيئة, كلاراي البصيرة. 

كلارا وإيستبان: شخصيتان متضادتان بالمُطلق, "كلارا" هادئة, ودودة مع الجميع, بعكسِ "إيستيبان" الغاضب والذي يرى نفسهُ على الدوام من طبقةٍ ثريَّة, راقية, وقد اتضحَ هذا الفرق من خلال فترة قيادة كل واحد منهما للماريّات الثلاث, إيستيبان كانَ يرى نفسهُ أفضلَ من الفلاحين, وأنَّهُ أرفعَ قدراً ومن ناحيةٍ أخرى يهابونهُ في حضورهِ ويضمرونَ لهُ الكره, أمَّا "كلارا" عندما أصبحت سيدةً للماريَّات في الوقتِ الذي عقِبَ الزلزال والذي أُصيب بهِ إيستيبان بكسور في معظمِ عظامِ جسدهِ, كانت تُساهم في أعمال الزراعة مع الفلاحين وانخرطت معهم في شؤونهم وساعدتهم في أمورهم فأحبُّوها حاضرةً غائبة... 

"بيانكا" ابنة "إيستيبان وكلارا" الوحيدة, وهي الولد الأوّل لهما, وقد تنبّأت "كلارا" بمجيئها عندما قالت هي ابنة وقرّرَتْ أن يكونَ اسمُها "بيانكا", والتي حازتْ القسم الأكبر من غضبِ "إيستيبان" لأنَّها أحبَّت فلاحاً متمرِّداً يكرههُ "بيدرو جارسيا الثالث" والذي أنجبت منهُ ابنتها "ألبا", وقد انشغلت في فترةٍ من حياتها بصنعِ المجسمَّات الفخاريَّة والتي صارتْ مصدرَ رزقٍ لها فيما بعد, لأنَّها كانتْ مقصيةً من ثروة الشيخ "ترويبا". 

"جيم ونيكولاس" ابنا "إيستيبان وكلارا" التوأمان, ولكلِّ منهما شخصيتهُ المختلفة عن الأخر. 

"جيم" لهُ شخصيّةٌ هادئة, مُتزن, يدرس الطب, ويقضي وقتهُ فيما بعد بينَ المستشفى واجتماعاتهِ مع أصدقائهِ الاشتراكيين, وغرفتهُ التي ملأها بالكثير من الكتب, كانَ "جيم" كلَّما يجدُ فقيراً لا معطف لهُ يقيهِ بردَ الشتاء, يتخلّى عن معطفهِ ويهبهُ لهُ, كما كانَ على خلافٍ مع والدهِ "إيستيبان" من ناحية الأفكار السياسيّة, فوالدهُ من حزب المحافظة, وهو من الاشتراكيين.

أيضاً لم يكن يتفق مع "نيكولاس" والأخير لم يكن على وفاقٍ معهُ, فكانَ لا يتذكَّر وجودهَ إلا عندما يواجهُ مشكلةً, كأنْ يستدعيهِ ليخلِّصه من مجموعةٍ من الشبان أرادوا ضربهُ بحكمِ أنَّ "جيم" أقوى بنيةً منهُ, وغيرها من المشكلات الأخرى.

أحبَّ "جيم" الفتاة/أماندا التي كانت على علاقةٍ بأخيهِ "نيكولاس" لكنَّهُ لم يفصحْ عن مشاعرهِ. ينتهي الأمر بجيم بأنْ يُعدمَ مع مجموعة من الاشتراكيين بعدَ سقوط النظام الاشتراكي في البلاد.

"نيكولاس" شخصيَّةٌ حالمة لكنَّها لا تعرفُ ما تريدُ بالضبط, بدايةً شرعَ في استجماعِ قوَّتهِ ليستحضرَ الأرواح ويكلِّمها وقرأ الكثير عن الأمر, وطلبَ إلى أمِّه أنْ تعلِّمهُ الطريقة التي تستحضرُ بها الأرواح, فرفضتْ لأنَّ الأمرَ مَلَكَةٌ وليسَ تعلُّماً. 

ثمَ حاولَ أن يطيرَ بالمنطاد كما فعلَ خال أمِّهِ "ماركوس" قبلَ أعوام كثيرة وفشلَ كلاهما, ثمَّ عمدَ إلى فتحِ مطعم "سندويش بالدجاج" في البيت, وتركهُ بعد ذلك, ليطلبَ إلى والده "إيستيبان" أن يزوّدهُ بالأموال ليسافرَ عاماً إلى الهند..... يسافرُ "نيكولاس" ويعود ولديه فلسفةٌ خاصة به, وقد ازدادَ نحولاً وأصبحَ نباتياً بالكامل, وأخذَ يُدرِّبُ "ألبا" ابنة أختهِ "بيانكا" على تحمُّلِ الألمِ بكافةِ أشكالهِ, يصدرُ كتاباً عن التجاربِ التي قضاها في رحلتهِ, لكنَّه لا يلقى رواجاً, ينتهي بهِ الأمر إلى مغادرةِ البلاد.

تستمرُ أحداثُ الرواية لتصنعَ نهايتها حفيدة الشيخ "ترويبا" "ألبا", التي تنضمُ إلى الاحتجاجات الطلابيّة ضدَ السلطة, تقومُ فيما بعد بمساعدة بعض المطلوبين بالسفرِ خارج البلاد, كما قامت ببيعِ أغراض منزل آل "ترويبا" _بالرغم من ثروة العائلة الموجودة في يد الشيخ ترويبا_ لمساعدة المحتاجين, أيضاً كتبت الأحداث التي مرَّت بها العائلة بفكرها, حينَ كانت في معتقلها تتعرضُ لأقسى أنواع التعذيب, وقد ساعدها على ذلك مجيء جدتها "كلارا" إليها, حيثُ طلبتْ منها أن تكتبَ كلَّ ما تمرُّ بهِ بفكرها, إلى أن تحينَ لها الفرصة المناسبة لتدوينِ كاملِ الأحداث, وبعدَ خروجِ "ألبا" من سجنها أخذت تكتبُ الأحداثَ كاملةً, مستعينةً بذاكرة جدها "إيستيبان" التسعيني, وبدفاتر ملاحظات جدتها "كلارا" عن الحياة . 

_ الرواية لا ترصد فقط الحياة السياسية في "تشيلي" والجوانب الاجتماعيّة لعائلة "ترويبا" فحسب, إنَّما ترصد التغيرات المجتمعيَّة وتطوّر المعيشة, فلم يكن من الممكن أن تذهبَ النساء إلى كليّة الطب وتقصِّرَ شعرها, وتتخلى عن لبس "التنورة" وتلبسن "البنطال", لم يُتوقَّع أن تقودَ النساء الاحتجاجات وتنظِّم الجمعيات, وقد حصلت كلّ هذهِ الأمور. والرِّواية ركَّزت على دورِ النساء في الأحداث التي حصلت بشكلٍ واضح.

أيضاً كانَ وجود السيارة في شوارع "تشيلي" أمراً غريباً, وقد وصفوهُ بالسِّحر, وأوَّل مَن فعلهُ "سيفيرو ديل فاله", الذي كانَ مجنوناً بقيادةِ سيارتهِ. 

كانت الكاتبة في روايتها تجلسُ خلفَ النص, ليتبيَّنَ في نهاية الرواية أنَّها تجمعُ الأحداث من خلالِ شخصيَّة "ألبا", كما كانَ "إيستيبان ترويبا" يقودُ السَّرد أحياناً؛ ليحكيَ بعضَ الأحداث بلسانهِ, كما تراوحَ السرد بين حركتي الماضي والمستقبل, وكانَ عنصر التشويق حاضراً, إذ أنَّها تذكرُ حدثاً مُستقبلاً وتبترهُ ممّا يدفع للمتابعة ؛ لمعرفة تفاصيل الحدث. 

أخيراً رواية "بيت الأرواح" تضع نصبَ أعيننا مدى سخافة الوجود الذي قد يقودنا لإلغاء غيرنا, ففي نهاية المطاف مصيرنا واحد وهو الموت, فلا داعي لكلِّ هذهِ الصراعات. 

بدأت الرواية: كتبت كلارا الصغيرة بخطِّها الرهيف أن قد وصلَ بارّاباس إلى العائلة عن طريقِ البحر......_وانتهت_: الأوَّل هو دفترُ تلميذ من عشرين ورقة امتلأت بخطٍ صبياني أنيق. إنَّهُ يبدأ هكذا: وصل بارَّاباس إلى العائلة عن طريقة البحر. 

بعض المُقتبسات من الرواية:

قول "إيستيبان" ل"فيرولا" عندما طلبت إليهِ أن يبيعَ أرض الماريّات الثلاث: "يجبُ ألا نبيعَ أبداً الأرضَ, إنَّها وحدها الباقية عندما نفقدُ كلَّ شيءٍ آخر"....

قول "كلارا" ل "بيانكا" عن سببِ إعانتها للفقراءِ في حيِّ الإحسان: "هذا يعيننا لإراحةِ ضميرنا, لكنَّهُ لا يعينُ الفقراء في شيءٍ. إنَّهم ليسوا بحاجةٍ للإحسان وإنَّما للعدلِ"....

عنَ موت فيرولا فقيرةً معدمة ,استغربَ إيستيبان عدمَ استفادتها من المال الذي كانَ يبعثهُ لها عن طريقِ "الأب", فقال: " لماذا كانتْ هكذا تعيش, مع أنَّ عندها وفراً من المال, وأجابتهُ كلارا بصوتٍ مساوٍ: لأنَّها كانَ ينقصها كلُّ الباقي" ....

"إذا كانت تستطيعُ صنعَ سلالٍ بالأقدام, فبوسعك أن تعزفَ من دونِ أصابع".....


9
0
0

Anonymous {{ comment.name }} {{ comment.date }}
{{ comment.text }}
Anonymous {{ sub_comment.name }} {{ sub_comment.date }}
{{ sub_comment.text }}