• انشر كتاباتك
  • احصل على آراء وتقييم آلاف القراء والكتّاب
  • طوّر مسيرتك الكتابية

سجل حسابك الآن وابدأ رحلة الكتابة!

إنشاء حساب تسجيل دخول
بنت رَجُلَيْنِ اثنين
بنت رَجُلَيْنِ اثنين
Google+
عدد الزيارات
189
.....

لطالما كنت بنت رَجُلَيْنِ، شخصين اثنين، كنت آلف الأول ليظهر لي الثاني، بعد ألفة وحب أكتسبهما بالتدريج، الى أن يشبه أبي الثاني أبي الأول بالتدريج.

Image

بعمر الرابعة، كانت تحرص أمي على أن ترغمني على النوم باكرا، حتى لا أقلب ليلها رأسا على عقب، عقب دخول الرجل الغريب (أبي الثاني) للبيت، وفي الصباح، كان يأتي ليقبلني بنفس حنو الأب الأول، برائحته الطيبة، لكن بشيء وحيد مختلف، بلحيته التي حلقها بالليلة الماضية.

كان يحاول جاهدا ليومين متتاليين، أن يشعرني بأنه نفس الشخص وبأنه والدي خاصتي، وبأنه رجل واحد بوجهين اثنين، وبنفس الحب والعاطفة والإسم والرائحة.

كانت أمي واحدة طيلة سنواتي الخمس الأولى لا تتغير أبدا، لكنني كنت بنت رجلين، وكلفني حلق والدي للحيته أسبوعا من الشوق لأبي الأول، ومع الوقت وتوالي الأيام، أقترب ببطئ، أبتسم نصف ابتسامة، وأطل عليه من شق الباب، وأقول بعقل الطفلة:

"يا إلهي أين أبي؟ كيف تسمح أمي لغريب بأن يدخل بيتنا هكذا؟ نعم يجلس مثله، ويتحدث مثله، لهما نفس الطول واللكنة و السحنة، لكن أين أبي؟"

كنت أعرف جيدا أنه هو، لكنه مخفي تحت جلده، ينتظر أسبوعين آخرين ليتجدد في عيني، ويعيد تشكيل نفس الصورة، لطالما أحب أبي إطلاق لحيته لتطول، ولطالما أطلق طول شعره لفترة دون أن يفكر في حشر المقص به، لكن أعتقد فقط أنه كان يشعر بالكسل فقط لواجب الاستيقاض كل صباح ليعتني بلحيته ويحلقها، كان يطيلها.. وعندما يشتاق لرؤية وجهه، ورؤية ندبات الطفولة بدقنه، كان فقط حينها يقوم بحلاقتها، ولشعره نفس القصة، كان فور حلاقته لشعره يريني حفر سقطاته و "تسكيرات" ابناء دواره الصغير، محاولا التقاطي بحنية، ليرى ابتسامتي.. ولو نصفها، لكنني كنت أضحك بشك وخوف، وأبحث فيه عن أبي الأول. 

في محاولة اكتساب أبي الثاني لاكتساب ملامح وجه أبي الأول الذي يرافقنا لأشهر أخرى، كنت أقترب أكثر، وأجلس قربه مدة أطول، أتحقق من أنه أبي الأول، ومع تمدد ساعات النهار أتيقن أنه هو، ويضعني في مكاني ليلا حتى يطمئن، وينام..

وفي الصباح عندما أراه، أمتنع عن قول "صباح الخير"، أتردد قليلا في قولها، ولا أقبله قبلة الصباح إلا نادرا.. مكرهة، ويُثقل اليوم على صدري بالجلوس قربه، حتى يأتي الليل مجددا، وأتحقق من كونه "هو أبي".. ليمحو الليل والحلم يقيني، وأعود إلى صباحي سائلة:

"أمي.. أين أبي الأول؟ أشتاقه..."

هكذا هي ذاكرة السمكة، ذاكرة الطفلة التي كنتها.

لكن أبي كان رجلا مربكا، فأحيانا كان يقوم بحلق لحيته فقط، ويترك شعره ليتجاوز أذنيه، وأحيانا أخرى يزيلهما معا، وأحيانا يحلق شعره فقط ويطلق لحيته، وفي أحيان كثيرة كان يحلقهما معا، ليعود طفلا شابا، بندوب وجروح مرحلة بعيدة، بعيدة جدا.. ويطلب مني ليلطف الجو، بأن أكسر بيضتي المسلوقة في جبهته، لأبتسم.. نصف ابتسامة..

"أحيانا" التي استعملتها في النص، كانت بين شهرين، أو ثلاث،وكان يترك كل شيء حرا ليطول أكثر، أثناء شتائنا الطويل الذي يمتد ست أشهر بالسنة، ألفت والدي بلحيته وشعره الطويلين، كان كل شيء يأكله يلتصق بلحيته وينفِّضها بخجل خوف أن يفسد شهيتنا، لكنني ألفت أكثر.. أبي باللحية.. بالشعر الطويل والكوفية، و الآن، وأنا شابة في السابعة والعشرين، أشتاق أبي الأول والثاني، وكل تشكيلاته السابقة المربكة.


3
0
1

Anonymous {{ comment.name }} {{ comment.date }}
{{ comment.text }}
Anonymous {{ sub_comment.name }} {{ sub_comment.date }}
{{ sub_comment.text }}