• انشر كتاباتك
  • احصل على آراء وتقييم آلاف القراء والكتّاب
  • طوّر مسيرتك الكتابية

سجل حسابك الآن وابدأ رحلة الكتابة!

إنشاء حساب تسجيل دخول
بقايا مدينة....
بقايا مدينة....
لقد أثقلت الذكريات طريقي فجعلته طويلاً وما عهدتُه هكذا....

............................................................................


أمشي اليومَ في أزقتها بعدَ فِراق ربّما لا يجوزُ لي أن أسمِّيهِ فِراقاً، أهمسُ: هي تعرفُنِي،  بل أجزمُ بذلك، وأقولُ: أيُّ عهدٍ بيننا هو ذاك؟،  عهدٌ متين، أجزمُ أنّني عندما مشيتُ في سوقِها القديم أنّها عرفتني،  كما عرفتْ آلاف الوجوه غيري، أقولُ: هي تحفظُنا جميعاً بملامحنا تامةً بينَ هذهِ الحجارة، فكلُّ حجرةٍ في سوقها تُخبّرُكَ قصص أجيال وحكاياتٍ طويلة لنْ يرهقَك سماعها.. لأنّها تردّدُها وتسمعُها أنت عندما تنظرُ إلى تلك الجدران، ليست مجردَ حجرٍ، هي ذاكرة وكما أصفُ الذاكرة على الدوام فهي ذاكرةٌ ملحاحة،  تصرُّ على التذُّكر رغم مرارته، مشيت في كلّ السوق _المسقوف_ أذكرُ حادثةً في طفولتي، اصطحبتنِي أمي معها إلى السوق وقد طالَ مشينا فيه، رجعتُ إلى البيت: أمّي لا أستطيع الوقوفَ على قدميّ، وما السبب؟ أجبتُ: بسبب مشينا الطّويلِ في السوق، ضحكتْ أمّي كثيراً، أردفتُ: وظهري يؤلمُنِي أيضاً، وأصبحتْ تِلك الحادثة إلى يومنا هذا مجالاً لتندُّر أمّي وإخوتِي عليّ _فريال تؤلمُها قدماها من مشيها في السوق_ أنا لا أعرفُ كل زقاقٍ باسمهِ فيه كما تعرفهُ أمّي وتعدِّدُ لي أسماءَ الأزقّة عن ظهرِ قلب،  فتحسّ أنّها تملكُ خريطةً تفصيليّة له داخلَ دماغها، أقول لها هناك محالٌ جديد قد فُتحت، تسألني: أهي في سوق الفيصل، الناعورة، شارع الصّاغة، الخام، من جهة الشمال أم الجنوب؟، أقولُ أمي: أنا أخطئُ في أسمائها،  وأُخطئ الجهات كثيراً كما يقولُ لي والدي على الدوام، لكنّني لا أخطئ وجهَ حمصَ الحزينِ، ولا أخطئُ جامع خالد بن الوليد الذي كانَ طريقاً لي، للعبور بينَ ثانوية يوسف العظمة وأنا أعبرُ طلعة وادي السايح متجهةً إليهِ، وموقف _السرافيس_ لا أنساهُ أبداً، كنتُ يومياً ألجهُ من البابِ المواجه لمكتبةِ الإيمان، ثمَّ أنعطفُ يساراً لأدخلَ حديقته المقابلة للموقف،  أعبرها وأصلُ إلى مبتغاي،  أكُرّرُ الأمرَ يومياً، إلّا أنّني في بعضِ الأحايين  أدخلُ من الباب المقابل لمدرسة الثامن من آذار، أعبر حرمَ الجامع لأنّه مُختصر، ولا أقصدُ الباب المواجه لطريق حماة _قبالة صيدلية العمالي_ لأنّ الطريق إلى الموقف سيطولُ عليّ، أذكرُ سابقاً أنني كنتُ أدخلُ السوق من جانبِ الفرن الذي كانَ قبواً _ بعد تجاوزي لطلعة وادي السّايح من جهتهه_، وأتذكّرُ _مخبوزاته_ ورائحتها التي تملأ شارع الموقف القديم، وكذا فعلتُ مرةً أنا وأختي عندما عادت أمّي من رحلة الحج ونفدت الهدايا لديها للمهنئين،  بعثتني وأختي إلى سوقِ الجامعِ الكبير، سألتُ وهل الجامع فيه سوق، كنتُ عندها طالبةً في الحادي عشر الأدبي، أجابت أختي : نعم، ولجنا الجامع الكبير من بابهِ الأسود الكبير، كانت هذهِ مرّتي الأولى في زيارته، قصدنا سوقه الذي تراه أول دخولك إليه، في انعطافك يساراً ، كانت أختي مشغولةً في إحصاءِ الهدايا، أمّا أنا فأخذني المشهد إلى عالمٍ من الذهول، ألوان السُّبَح، أشكالها، ألوان السجاجيد، حُلِي الفتيات الصغيرات المصنوع من الخرز بعضه _وعادةُ بعض الحجيج أن يقدّموا شيئاً للفتيات الآتيات مع أهلهنّ، أو يبعثوه لهنّ_ الألوان والبخور، أرضه المرصوفة بحجر أسود، أبواب محاله وشكلها، ومساحتها الصغيرة، والبضائع التي تحويها على صغرها،  هذا صراحةً ما أخذَ كلَّ كياني، لوحة يصعبُ وصفُها، قلتُ: الدخولُ إلى هنا عصرٌ آخر تماماً،  حضارةٌ جديدة، ومدينة ساحرة... ربّما خرجنا ولكنّ الزيارةَ بقيتْ في رأسي إلى أن عدتُ العام الماضي لزيارته مجدداً، قلتُ لأمي أريدُ أنْ أدخلَ سوق الجامع الكبير، نظرتُ من بابهِ الأسود : كان السوقُ مُدمّراً، صعقتُ، كما صعقتُ عندما رأيتُ حديقةَ حرم جامع خالد بن الوليد وقد أنكرتها ولم أعرف من أي مكانٍ سأدخلها وأنا التي كنتُ أقطعها بشكلٍ يومي، وكنتُ أنا وصديقتي إذا أردنا الخروج في أيّام العطل نقصدها هي أو نقصدُ طرفاً آخر منَ الحرم، ومرة مشينا في سوق الحرم..
طريق حماة ، المحالُ المقابلة له كانت مليئةً بالباعة، العطورات، كان هناك عطّاراً أنا متأكدة ذاكرتي لا تخونني، المجسّمات الصغيرة المصنوعة بشكل تراثي، في _بسطة_ أمامَ متجر حُلّي مُقلّد، متجر الساعات، بائع العطور الذي كان ينادي_ ٤ بمية_ كنتُ أقهقهُ في نفسي، وأقولُ كما تقولُ أمي قد خلطها بماء أو _اسبيرتو_ حتى قهقتي هذه صارت مأساةً، فبائعُ العطور ليس هناك ولا أحد ممن ذكرتهم، قطعت الطريق مع صديقتي من حديقة  المقابلة لمدرسة الأندلس التي على شارع _الدبلان_ الرئيس، مروراً بالساعة الجديدة، وصولاً إلى مكان  أكثر أيام ذكرياتي جمالاً، حرم جامع خالد بن الوليد، قلتُ لها قطعنا مسافةً طويلة، لكنّني تذكّرتُ أنّني في صيف _٢٠٠٩_ عندما كنتُ أُحضّرُ للبكلوريا،  كنتُ أقطعُ أكثر من هذه المسافة يومياً _ ما عدا يوم الجمعة _ من موقف _السرافيس_ المقابل لطريق حماة مروراً ب _ City center _ بالسّاعة القديمة، الساعة الجديدة، ثمّ شارع _الدبلان_ الذي تتموضع المحالُ على جانبيه،  لأدخلُ في زقاقٍ يميناً لا يبعدُ كثيراً عن نقابة المعلّمين، أنعطف يساراً ، أكملُ لنهاية الشارع تقريباً، وصولاً إلى معهد _عمر_ المقابل لمكتبةٍ، كنا نشتري ملخصاتٍ منها أو ما شابه...
كيفَ ظننتُ أنَّ الطّريقَ طويلٌ ولم يكنْ يوماً في نظرِي هكذا، ربّما أثقلتهُ الذكريات الّتي أحملُها.....


3
0
0

Anonymous {{ comment.name }} {{ comment.date }}
{{ comment.text }}
Anonymous {{ sub_comment.name }} {{ sub_comment.date }}
{{ sub_comment.text }}