• انشر كتاباتك
  • احصل على آراء وتقييم آلاف القراء والكتّاب
  • طوّر مسيرتك الكتابية

سجل حسابك الآن وابدأ رحلة الكتابة!

إنشاء حساب تسجيل دخول
بقيْ كله الا ما اهلكت فى الدنيا
بقيْ كله الا ما اهلكت فى الدنيا
اختيار عنوان هذا المقال كان محيرا وكنت افاضل ما بين ليس للأكفان جيوب او بقيْ كله الا ما اهلكت فى الدنيا.

ربما يكون هذا العنوان مبهما ويحتاج للايضاح فمثلا بالمفهوم الدنيوى بقاء المال هو ان يكون المال عندك فى جيبك او فى حسابك البنكى.  ولكن هناك مفهوم آخر وهو ان الحياة الدنيا فانية فبالمنطق الاحتفاظ بالمال فيها ليس باقيا ايضا وبما ان الحياة الآخرة هى دار البقاء والقرار فمن الحكمة ايداع المال فيها . وبذلك باستثناء ما اهلكت فى متطلبات الحياة الدنيا فكل ما اودع فى بنوك الدار الآخرة هو الباقى كرصيد دائم. 


والمدهش هو ان هذا الرصيد لا يبقى على حاله بل ينمو باستمرار حتى يصير كالجبل مصداقا لقول النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم: من تصدَّق بعَدْلِ (مقدار) تمرة من كسبٍ طيِّب، ولا يقبل اللهُ إلا الطيِّب، فإنَّ الله يقبلها بيمينه ثم يُربيها لصاحبها كما يُربِّي أحدكم فَلُوَّه (الحصان الصغير) حتى تكون مثل الجبل. يا له من بنك، ويا له من ادخار، مقدار تمرة من حلال تتصدقُ بها تريدُ وجه الله، يأخذها الرحمن بيمينه، ويُنميها لكَ، فإذا وقفتَ بين يديه غداً وجدتها كالجبل. 


 لتوضيح اكثر دعونا نتدبر هذا الحديث النبوى. ذُبحتْ شاةٌ في بيتِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، فأمرَ أهله أن يتصدَّقوا منها، وخرج من بيته لبعضِ شأنه، فلما عاد سأل عائشة رضي الله عنها: ما بقيَ منها؟ فقالتْ: ما بقيَ منها إلا كتفها  فقال لها: بقيتْ كلها إلا كتفها (رواه الترمذي). فكتفُ الشاة سيُؤكل ويذهب، ولكن ما خرج من لحم الشاة صدقة وحده سيبقى عند الله، رصيدا متناميا في بنك الآخرة لان رب العزة بكرمه ينميه ويربيه لصاحبه الى قيام الساعة.


 

يقول الرسول صلى الله عليه وسلم "ما نقصت صدقة من مال. (صحيح مسلم). ويقول الحكماء تصدقوا فليس للأكفان جيوب. وقال إبن القيم ـ رحمه الله ـ : إن للصدقة تأثيراً عجيباً في دفع أنواع البلاء ولو كانت من فاجر أو ظالم بل من كافر، فإن الله تعالى يدفع بها عنه أنواعاً من البلاء، وهذا أمر معلوم عند الناس خاصتهم وعامتهم، وأهل الأرض كلهم مقرون به، لأنهم جربوه.


ولذلك هناك من حرص على ان يخرج من الدنيا كما اتى اليها فعندما نام السلطان سليمان القانوني على فراش الموت قال لمن حوله: عندما أموتُ أخرجوا يديَّ من التابوت ليرى الناس أن حتى السلطان يخرج من الدنيا خاليَ اليدين.


رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ يَقُولُ الْعَبْدُ مَالِيَ مَالِي إِنَّمَا لَهُ مِنْ مَالِهِ ثَلَاثٌ مَا أَكَلَ فَأَفْنَى أَوْ لَبِسَ فَأَبْلَى أَوْ أَعْطَى فَاقْتَنَى وَمَا سِوَى ذَلِكَ فَهُوَ ذَاهِبٌ وَتَارِكُهُ لِلنَّاسِ. ( صحيح مسلم – الراوى : أَبِي هُرَيْرَةَ). اى ان الذى لك هو الذي أكلته فأفنيته والذي لبسته فأبليته وهذان البندان مستهلكات ليس له أثر مستقبلي اى انه إنفاق استهلاكي ولكن هناك ما يسمى بالإنفاق الاستثماري مثل الصدقات والعطاء وهذا الإنفاق الاستثماري له ارباح حتى يوم القيامة فتصبح كجبل أحد. بالله أى استثمار هذا الذى يعطى مثل هذا الربح.


ولعل هناك الكثيرين ممن ادركوا هذه الحقيقة وكانوا حريصين على الانفاق فى سبيل الله حتى ماتوا ولم يتركوا ورائهم فى الدنيا شيئا عملوا لدار القرار لا لدار الفناء. ومن هنا نستطيع فهم لماذا زهد المهندس محمد كمال إسماعيل فى مستحقاته على ابرز اعماله وهى توسعة المسجد الحرام والمسجد النبوي وكذلك الشيخ الشعراوى عندما انفق ما حصل عليه من جوائز مادية فى اعمال الخير والبر. رحمهما الله.


المال انفق والكل مات ولكن شتان بين النتائج والارصدة وهذا تفسير مقولة  أبا حازم لأمير المؤمنين سليمان بن عبد الملك عندما سأله ما لنا نكره الموت فقال: لأنكم أخربتم آخرتكم وعمرتم الدنيا فكرهتم أن تنتقلوا من العمران إلى الخراب فقال سليمان بن عبد الملك: صدقت.

 

رآى عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) النبي صلى الله عليه وسلم وهو مضطجع على حصير قد أثر الحصير في جنبه ، فبكى لذلك ، فقال عليه الصلاة والسلام : ما يبكيك يا بن الخطاب؟ قلت يا نبي الله ومالي لا أبكي وهذا الحصير قد أثر في جنبك وهذا خزانتك لا أرى فيها إلا ما أرى وذاك قيصر وكسرى في الثمار والأنهار وأنت رسول الله وصفوته وهذه خزانتك فقال يا بن الخطاب أما ترضى أن تكون لنا الآخرة ولهم الدنيا قلت بلى. (رواه مسلم) . 


كلما تقدم العمر ينتاب الانسان شعور بانه  في انقطاع من الدنيا وإقبال على الآخرة فيتذكر قول الشاعر :

مَن يشتري الدار في الفردَوْسِ يعمرها *** بركعةٍ في ظلامِ الليلِ يُخفيها

أموالُنا لذوي الميراث نجمعُها *** ودُورُنَا لِخَرَابِ الدَّهْرِ نَبْنِيها

لا دارَ للمَرْءِ بعْدَ الموْتِ يَسْكُنُها *** إلَّا الَّتِي كانَ قَبْلَ الــمَوْتِ يَبْنِيها


3
0
0

Anonymous {{ comment.name }} {{ comment.date }}
{{ comment.text }}
Anonymous {{ sub_comment.name }} {{ sub_comment.date }}
{{ sub_comment.text }}