• انشر كتاباتك
  • احصل على آراء وتقييم آلاف القراء والكتّاب
  • طوّر مسيرتك الكتابية

سجل حسابك الآن وابدأ رحلة الكتابة!

إنشاء حساب تسجيل دخول
أسرارُ الفانيّةِ
أسرارُ الفانيّةِ
Google+
عدد الزيارات
320
حمدت الله أنني خُلقت، و لكِ مني يا أمي و لأبي أسمى عبارات الاحترام و التقدير لأنكما سببا في مجيئي إلى هذه الدنيا بعد إذن الرحمان.

و ضربتك بقدمِي الصغيرةَ يا أمي، تقلبت في رحمِكِ، تحرقت شوقا لأبصر النورَ. أردت أن يُكتب يوم ميلادي و أبدأ رحلة العمر. أردت التحرّر من الظلامِ و التمتّع بأشعّة الشّمسِ الدافئةِ. أردت أن أغمض عيني على نور القمر و أفتحها على آذان الفجرِ. أردت أن أتكلّم و أصرخ. أردت ان تُسمع أصوات ضحكتي و أن أقهقه للعالم بأسره.

جاء ذلك اليوم يا أمي و ابتدأ ميلادي بالبكاء و الخوف.. كنت كلما أقترب مني بشر أصرخ لتأتيني و تضعيني عند حضنك حيث كنت ابتسم للملائكة.

صحيح أنني رأيت النور؛ لكني رأيت ظلاما أكثر. صرخت يا أمي للدنيا؛ لكن ألما. ضحكت بصوت عالي؛ لكن قهرا، و في غالب الأحيان تظاهرا.

بعد فوات الأوان، تمنيت لو بقيت هناك عندك بين أحضانك بعيدا عن الذئابِ يا أمي. في عالمٍ خالي من الألم، و الظلم، و الغدر، و والخيانة، و القهر.

نعم يا أمي، تمنيت ذلك لوقت من الزمن لم أكن أدرك به ماهية الحياة و قاعدتها و لا حتى نهايتها. لكن حين بلغت الثلاثين من عمري؛ تغيرت وجهة نظري لكل ما يحيطني من بشر، و حجر، و شجر.. تأملت في داخلي و خارجي.. وقفت عند الدموع و الابتسامات لأدرك لب المشاعر. لم أجد شيئا يستحق صراحة الندم و لا الألم.

ضحكت يا أمي! كيف استطعتِ إخافتي بالمسمى" الغول" الذي لا وجود له؟ ضحكت من جوعٍ آلمني و لم أتذكر الشبع الذي كان قبله؛ ضحكت من مرض وجع الجسد و لم أدرك أنه طهارة لروحه؛ ضحكت من حزني الطويل على فقدان كل جدّ و جدّة، و حبيبٍ، و قريبٍ، و صديقٍ دون أن استوعبت حينها أنني من اللاحقين؛ ضحكت من قلبٍ علا العقل و نسيت أنني سيدة المخلوقات باعتباري إنسانة عاقلة؛ ضحكت على أمنيةٍ ضاعت أو حلم بدا لي مستحيلا و كان الله وقتها يمنع عني ما أحب ليأتيني بما يحب لي و أحتاج؛ ضحكت على كل فشلٍ ثبّط من عزيمتي و على كل شعور بالضعف لأنني لم أكن أعلم، كما أعلم اليوم، أنّ السقوَطَ سببٌ النهوضِ. بتُّ أعلم.. نهضت من جديد لأواصل .. لا أدري متى النهاية.. لكن لي مقصد.

حمدت الله أنني خُلقت، و لكِ مني يا أمي و لأبي أسمى عبارات الاحترام و التقدير لأنكما سببا في مجيئي إلى هذه الدنيا بعد إذن الرحمان.

أريد ان أجعل عالمي كما أريده أنا و كما تشتهيه روحي في رحابِ الإيمان. أريد عالما هادئا، و منيرا، و سعيدا.. أريد كذلك، عالما به ضجيج و ظلام و حزن. فبعد الضجيج هدوء، و بعد الليل نهار، و بعد الشدّة فرج.. كبرت.. نعم ، كبرت و أدركت أن الشمعة تضيء و تحترق و أن القمر ينير و ينجلي في حضرة النهار. أدركت يا أمي أن للقصيدة إلهام مما يطمح إليه الشاعر و يفشل في تحقيقه و أن المقطوعة التي تترك أثرا ستحل محلها أخرى و سينتهي صيتها و قد تُنسى. أدركت يا أمي أن الحياةَ منتهيةٌ، و أنه يوما ما، ستُكتب لي الموت و ستُنهي ميلادي و عليه قررت أن أحيا. أو بعبارة أخرى، أدركت أن هذه الدار فانية لا بقاء لها فقررت أن أعيش قبل أن أموت.

نضيرة بريوة 


3
0
0

Anonymous {{ comment.name }} {{ comment.date }}
{{ comment.text }}
Anonymous {{ sub_comment.name }} {{ sub_comment.date }}
{{ sub_comment.text }}