• انشر كتاباتك
  • احصل على آراء وتقييم آلاف القراء والكتّاب
  • طوّر مسيرتك الكتابية

سجل حسابك الآن وابدأ رحلة الكتابة!

إنشاء حساب تسجيل دخول
أمومةٌ قاحلة
أمومةٌ قاحلة
غريزة الأمومة تولد لدى المرأة حين تحمل تلك النطفة الصغيرة بداخلها، أما غريزة الأبوة فتولد لدى الرجل حين يمسك ابنه بيده لأول مرة ، حين يضمه و يشمه و يقبله بين عينيه ...

لكل من يقرأ هذا النص الآن ، أعلم ما تفكر به حين وقعت عيناك على هذا العنوان،  و ما هو السؤال الذي تبادر إلى ذهنك فور قرأته، حتى أعدته مرة أخرى و ولجت إلى نصي هذا رغبة في الاستيضاح حول هذا العنوان الغريب الصيغة الغامض المضمون ، و لكن دعني أخبرك عزيزي المطلع ، كن صبورًا و استمع بقلبك لا بعقلك " أمومةٌ قاحلة " .

حسناً ، هذه الأمومة الفريدة من نوعها لا تشبه أي أمومةٍ  على الأرض ، فكيف للأمومة أن تكون قاحلة ؟! ، لذا دعني أخبرك و أضرب لك مثالاً صغيراً ، أهناك ربيعٌ بلا زهور أم شتاءٌ بلا خيرٍ و مطر ، أم هناك خريفٌ بلا أوراق أم صيفٌ بلا ثمار ؟ ، بالطبع لا يخلو أي فصلٍ مما يميزه و يعطيه صفته و اسمه ، و لكن هذه الفصول الأربعة تختلف من مكانٍ لآخر و من بيئةٍ لأخرى ، فالصيف موجود بثماره و لكن في مكان و بقعة ما هناك صيفٌ بثمارٍ زقومية تنزل كالسم في جوف آكلها ، و هناك شتاءٌ و لكن بمطر من نار ينزل ساخناً حارقاً ليزيد لهيب القلوب ، و هناك خريفٌ لا يعقبه إلا خريف تتساقط أوراقه المنعدمة الحياة لتنبت أوراقا ميتة و فانية منذ دورتها الأولى ، حتى الربيع فأزهاره أزهرت في مقبرة موحشة شوكية خشنة ، تجرح القلوب و تدميها قبل أن تدمي الأيدي الناعمة الصافية ، لذا هكذا هي الأمومة القاحلة الجافة ، هذا النوع من الأمومة الميتة لا تنبت في تربتها على الإطلاق ، لا تمد جذورها أبدا حتى لا تتفرع و تحتوي صغار أوراقها ، لكي لا يزهروا أو يثمروا فيلمعوا ، تبغاهم أن يبقوا صغارا دائما ، متكومين تحت سيقانها الخشنة لا يرون الشمس ، فيذبلون و يموتون صغارا ، كحال الكثيرين .. أمومة أمهاتهم لا تنبت في بيوتهم أبدا ، حتى أنهم لا يجدون لفظ الأمومة لائقا بأمهاتهم ؛ لأن الأمومة خصبة .. امرأة ولود متجددة مهما تعبت و ضحت لا تكل و لا تمل و لا تفتأ أن تضم صغارها ، و هذا على عكس حياتهم و واقعهم .

غريزة الأمومة تولد لدى المرأة حين  تحمل تلك النطفة الصغيرة بداخلها،  أما غريزة الأبوة فتولد لدى الرجل حين يمسك ابنه بيده لأول مرة ، حين يضمه و يشمه و يقبله بين عينيه .

أتساءل حقاً ، هل توجد أمهات نزعت منهن غريزة الأمومة ، أيكون شيء كهذا ؟!

أتأكل الأم صغارها حين تجوع ، أتأكلهم حين تحزن و تعصف بها نوائب الدنيا ، أتعلقهم من أقدامه و تدلي برؤوسهم إلى الأرض ، و كلما رمتها الريح بزفرة جلدتهم و عاقبتهم ، أيكون هذا ؟!!

لماذا تعتقد الأمهات و بعض الآباء أن أبناءهم هم ملك لهم ، من بقية ممتلكاتهم و متاعهم ؟

لماذا لا يستطيعون رؤيتهم ككيان مستقل عنهم ، أيرونهم مجسمات صنعت لتنفيذ أوامرهم ، أم مجسمات فارغة خاوية يلقون كل خوفهم و ألمهم في جوفهم ؟

ترى هل هناك هكذا أمومة ، لا أظن . إذن ، ماذا تسمى هذه الأمومة ، ربما أمومة مقحلة جافة !!

الكثير من الأطفال و المراهقين و الشباب في العالم على حد سواء ، لا يعرفون كيف تكون الأمهات أو حتى الآباء ، ربما لأنهم تربوا مع فئة من ضباط الجيش الألماني ، أو فئة من المعلمين أصحاب المهن الصُّناع ، الكثير من الأوامر و العقاب ، القليل من الأجر و لا شيء من الحب .

الكثير من الأشخاص لا يعرفون معنى الحب و لا يعرفون الصداقة ؛ لأنهم لم يروا الحب الأول : حب العائلة و الصداقة معهم و بهم ، فيرون كل محبة أو مودة مكيدة و شبكة تنتظر أن يحط بها لتلتف عليه و تخنقه أو لتُسْلمه للعقاب بسبب ثقته البريئة هذه ! ، لا يعرفون الحب ، يتعاملون بشك و ريب مع الآخرين ، لا يستطيعون رد التحية أبدا ، و يخجلون من كلمة لطيفة عادية يستعملها الكثيرون في حياتهم اليومية ، حتى التهنئة الصادقة النابعة من قلوبهم الصافية يرونها مجاملة خادعة و نفاقا محظ ، فيتقهقرون إلى الوراء بخطوات سريعة و حذرة في الوقت ذاته،  خوفا من الاعتياد على حياة الحب ، يخافون البدء بهكذا حياة ، حياةٌ لم يعرفوها أبدا ، فيتقوقعون فارين لحياتهم المظلمة ، خوفا من أن يصيبهم شيء سيء مجدداً ، كأن السوء الذي يعيش و يستوطن داخلهم لا يكفيهم ، يخافون من لمعة عيونهم و يخجلون من ابتسامتهم أمام المرآة ، هكذا هم ساكنو مملكة الأمومة القاحلة ، و لكن لأن لكل قاعدة شواذ ، سترى أحدهم يتمرد على نفسهم لا على أمه أو عائلته ، فيغدو فردا حسنا ، يرقص و يمرح أمام الجمع و يعيش ككائن عادي اجتماعي ، يؤسس لنفسه حياة بعيدة عن حياة مملكته الأم ، لطيف الجانب رقيق القلب ، لربما تكون فتاة فتغدو أماً كالعنقاء ، تحيا من رمادها أو أبُ فاتح لا يخاف أبدا ، و لكن بعد كل حفلة أو مجاملة أو ابتسامة ستجده يغلق على نفسه بغرفة مظلمة ؛ ليجلد نفسه بسوط أمه و أبيه ، يحاول بكل ضربة ترتد على جسده و ظهره العاري أن يهدم ذاك الفراغ المليء بالدخان الأسود ليبدده و ينثره كأنه لم يكن ، حتى لو تطلب منه أن يبقى بنصف جسد بأساسات قليلة ، و لكن سليمة قدر الإمكان .. سليمة إلى حد ما ، تهتز مع الريح .. مع كل ورقة تسقط و مع كل قطرة مطرٍ ساخنة تهطل على رأسه ، مع كل زهرة سوداء محاطة بالأشواك ، مع كل ثمرة صيفية تخرج .. و كأنها تخرج من رؤوس الشياطين ، تلك الفصول لن ترأف به و بحاله أبدا ، لأنه غريب قادم من صحراء الأمومة القاحلة .

إلى كل أبٍ و أمٍ يقرأ نصي الحزين هذا ، أرجوكم اقرأوه بتمعن .. مرةً أخرى لربما تستيقظون من سباتكم العميق،  لتروا كم أن شمس أطفالكم منطفئة ، كم هي رمادية .. كم أن ربيعهم ذابل لا يزهر ، ربما ترون أو تلمسون قلوبهم الخائفة الواجفة ، لربما تخرجون ذاك الطفل الجالس بتلك الزواية المظلمة ، لربما تأخذكم الرأفة فتمدون أيديكم لهم ؛ لتخرجوهم إلى النور ، ليركضوا نحو الدنيا بأيد مفتوحة و بقلوبٍ قوية تسيل حباً لا خوفاً ، ليطيروا و يحلقوا بأجنحتهم الصغيرة نحو السماء ، يرسمون طريقهم بنصائحكم لا بأوامركم .. بمحبتكم لا خوفاً من عقابكم .

اسمحوا لهم أن يصبحوا آباء و أمهات أصحاء لا يقطفون أزهار غيرهم عنوة ، اسمحوا لهم أن ينهلوا من خيرات جنانكم المقفلة و الموصدة الأبواب داخلكم .. أزهروا و لا تبخسوا ؛ ليزهروا هم أيضا و ليمتد أثرهم و أثركم ، و ليصبحوا جنةً يستريح بظلها الغادي و الرائح ...


62
0
0

Anonymous {{ comment.name }} {{ comment.date }}
{{ comment.text }}
Anonymous {{ sub_comment.name }} {{ sub_comment.date }}
{{ sub_comment.text }}