• انشر كتاباتك
  • احصل على آراء وتقييم آلاف القراء والكتّاب
  • طوّر مسيرتك الكتابية

سجل حسابك الآن وابدأ رحلة الكتابة!

إنشاء حساب تسجيل دخول
أمام قبر الصديق !
أمام قبر الصديق !
Google+
عدد الزيارات
333
لن تدوم الصدمة طويلا بعد موت الصديق الحبيب حتى تتحتم مواراته تحت الثرى !

وياله من واجب عسير ! وياله من موكب أليم ! ، سأذهب لأنظر لصديقي النظرة الأخيرة  قبل تكفينه ويا لعسرها من نظرة !، إنها ليست نظرة كبقية النظرات التي تبادلناها من قبل ، كلها كانت من طرفين متحابين أما الآن فهي نظرة من طرف واحد حي واله لحبيب فاضت روحه وبقي جسده ، إنها النظرة الأخيرة نظرة الوداع بعدها نحمله فوق أكتافنا إلى منتهاه في تلك الدنيا الغرورة ! تلك الدنيا التي من سننها فراق الأحبة على رغم بقاء المبغَض الكريه من البشر ! ، إن ذلك المشهد الرهيب أبشع ما فيه عيون المحيطين ! ، كيف أواجه الناس بوجهي المحمر وعيني المنهكتين و جسدي المحطم ؟! ، إن فراق الحبيب يلزمه فراق الناس فراقا طويلا أستعيد فيه عافيتي و أتناسى فيه بعض مصابي ، إن رؤية البشر وقد خلوا من الحبيب لمرأى كئيب، ونظراتهم إليك في تعجب و انبهار  لجهلهم معنى الحب والصداقة  من جهة و نظراتهم في شماتة و كراهية لنقمتهم للحب والصداقة من جهة أخرى تأكل جسدي أكلا و تدمي قلبي دما فوق دم ! ولكنها مواجهة محتومة لا مفرّ منها ، لا أبد أن أتماسك متظاهرا ، و أصبّر نفسي متحاملا وبعدها أهجر الناس دهرا إلى أن تجف مدامعي و يلتئم جرح قلبي و تعود الصحة إلى جسدي وإن كنت لا أتصور كيف يحدث ذلك ؟! .............

 إن صلاتي عليه في جنازته لهي أخشع صلاة صليتها في حياتي ، صلاة لم أغفل فيها لحظة ولم أهف فيها هفوة، كل تركيزي كان في الدعاء له ، لم أدع ما حييتُ دعاء أصدق من ذاك الدعاء في ذلك اليوم العسير ، لقد انتهتِ الصلاة وبدأ الناس ينفضّون وأنا مازلتُ أدعو لا أنتبه لنهاية الصلاة حتى نبهني ضجيج الناس ودبيبهم ! ، أسرعت لحمله مع الحاملين ، أسير مسيرا وئيدا هو أثقل مسير عليّ في حياتي إلى أن وصلنا إلى المقبرة ، بيته الجديد على هذه الأرض ! ، كل من ينتقل في هذه الدنيا ينتقل من دار قديمة عليها علامات الفناء إلى دار جديدة أنيقة عليها علامات البهاء إلا هذا الانتقال من دار جميلة إلى دار دفينة ! من دار مأهولة إلى دار مهجورة ! ،

 حين هموا بحمله ودفنه ومواراته لم أستطع أن أنظر بل وقفت مطرقا مشدوها إلى أن انتهوا فشعرتُ حينها بنهاية كل شيء وتحاملتُُ على نفسي لأستطيع الوقوف بين الناس واستكملتُ دعائي الملتهب و تضرعي المتقد وانتظرتُ إلى أن انصرف الناس حتى احتضنتُ قبره واستكملتُ أنيني و نشيجي ..........

يقول ابن رشيق في وصف دفنه لصديق عمره :

برغمي دفَنْتُ عـــــــــزيزاً عليّ    *   فصارَ عزيــزاً عليَّ العــــــــَزَاءُ

مررتُ على رَبــــــــــــعه خَالياً    *   وما رَبْعُه في فــُؤَادي خَــــــــلاءُ

دفنتُ سرُورِيَ في قَبْـــــــــــــره   *    فما لِيَ في ذا ولا ذَا رجــــــــــاءُ

ولست أُطيقُ أَرىَ قــــــــــــبرَه  *    وإِنْ كَان فيه السّـــَنا والسَّنــــــاءُ

لئن كنتَ أُسْكِنْتَ دَارَ البــــــلى    *   فقد دَارَ بالقــلب منِّي البَــــــلاَءُ

وإِن جفَّ فيكَ دمٌ واحــــــــــدٌ    *  فقد سَــالَ من مُقْلَتَيَّ دِمَــــــــــاءُ

ولا زِلْتَ بالقَبـْرِ في جــــــــــنةٍِ   *   لك الرِّيُّ من ظَمــْئِها والــــــرُّواءُ

 

لن يطول احتضاني لقبره كثيرا حتى أضطر للانصراف ! الانصراف ؟! 

ولكن كيف أنصرف عن حبيبي وما انصرف عنّي في حياته أبدا ؟! إنه انصراف المجبر المقهور الذي صارت حياته مختلفة عن حياة صديقه ، حياتي تحتاج الطعام والشراب والملبس والكدّ والعمل أما حياة حبيبي فقد خلت من كل ذاك ، إنها حياة بلا عمل ؟، انتهى وقت العمل وجاء وقت الحساب وانتظار البعث والجزاء ، إنه حساب شاق وانتظار أشقّ ولكني أثق في أرحم الراحمين الذي لا يظلم عنده أحد ! أثق في عالم الآخرة أكثر من عالم الدنيا الجائرة ، لقد تفرقنا بين عالمين ، حتى لم تكتف الدنيا بالتفريق بيني وبين صديقي بملمّاتها أحيانا حتى أكمل الموت المهمّة وفرق بيننا التفريق الأخير ليطول أملي في الاجتماع به في حضرة الملك يوم الدين .. سأعود إلى بيتي مذهولا من الدنيا متأوّها وأنا صامت ، أغلي بلا دخان و أفور بلا ترغية ! لأكمل لحظات التأمل المدمية بين حسرتي وشجني  ويظل مشهد قبر صديقي مطبوعا في ذهني لا يفارقه أبدا ليكون شاهدا على صداقتنا وشاهدا على حقيقة الدنيا كذلك.........

يكمل ابن رشيق المشهد في قصيدة أخرى في صديقه الفقيد :

قبورٌ لُهمْ مثلُ الكواكب تَهْتــــدِي   *     بها لفؤادي نارُ قلبي وأَشْجَــــاني

على أَنَّني بَعْضُ المقابِر فيـــــــهمُ      *   فسكَّانُ هاتيكَ المقابِر سُـــــكَّاني

ذَوتْ في الثَّرى أَغصانُهم وَهْي غَضَّةٌ     *  فيا تُرْبُ ما أَنصفْتَ نُضْرَة أَغْصَان

وفيهم أَخٌ لي كان رُوحِي وراحـــتي    *   كما أَنه قد كان رَوْحِــــي وَرَيحَاني

برغميَ أَوْدَعْتُ الثَّرى منه مُهْـــجَةً    *    معظَّمَةَ المقدارِ عـــــــاليةَ الشان

شقيقي ولكنِّي شَقَقْتُ له الثَّـــرى     *   ووسَّدتُه ما بين صَبْري وسُــلْوَاني

على الرَّغم منِّي إِذ أَقمتُ وقَدْ مضَى   *   وبالرغمِ منه كيــــفَ رَاحَ وخَلاَّني

تلاءَمتُ فيه حين ماتَ ولم أَمُـــــتْ     *  ورُحْت بأَثوابٍ وراحَ بأَكْـــــــفَانِ

 

صديقي في العالم الآخر ، لن أنساك في عالمك التالي كما كنتُ لا أنساك في عالمي الحالي ، قد كنا نتزاور في الدنيا زيارة بزيارة ، فلما عجزتَ عنها الآن فسأزورك ما حييتُ ، وآتيك دوما ما دق قلبي وما تحرك صدري ، لأجدد عهد الإخاء بيننا، ذلك العهد الذي هو أقوى من كل شيء ، أقوى من الموت نفسه ! ، سأقوم على قبرك أدعو الله لك ، سأقف أمام جَدَثك أتذكر ذكريات الماضي ، كما كان لنا لقاء أسبوعي في الحياة سيكون لنا لقاء أسبوعي بعد الموت ، إنه اتصال النفوس و الأرواح لا الأجساد والأشباح ! ، إنه الوفاء إلى النهاية ، الوفاء إلى آخر نفس و آخر نبضة قلب ! ..ولم لا وجلوسي على قبرك هو راحة قلبي وشفاء صدري ، هو سميري من بعدك و بلسمي بعد دواء رؤيتك..

 

يقول أبو بكر التونسي في الجلوس على قبر الحبيب :

عَلى قَبر الحَبيب جلستُ يَوما   *    كما أوصى الحَبيب عَلى سريره

وَفي طيات أمـــسي   راح قَلبي   *   يفتش بالتلهف عن عشــــيره

وَيشخص في غدي أمرا مريـعا   *   يَكاد المَرء يَقضي من نــــذيره

 

السلام عليك يا صديقي يا أهل الدار أنت سابقي وأنا لاحقك لا محالة ، السلام عليك من قلبي قبل لساني ، السلام عليك في دنياك وبعد موتك وحين تبعث حيا ! ...ولكن مالي أسلّم عليك ولا تردّ علي كما كنتَ تردّ علي من قبل ؟!!  ، لماذا لا تجيب ؟ ، ألا تسمعني ؟ ألا تشعر بي، ألا تحس بأني جوارك الآن ؟ هل أنستك غمرات الموت صداقتنا ؟ هل ما زلتُ صديقك الآن كما كنتَ صديقي الأمس ، ردّ علي ! أجبني.....  أجبني ........أجبني ولو بكلمة تشفي بها صدري وتريح بها قلبي .....

وهذا المشهد المؤلم قد عبر عنه علي بن أبي طالب في صديقه الفقيد حين وقف على قبره يسلم ولا مجيب :

مالِي وَقَفتُ عَلى القُبورِ مُسَلِّـــــــماً    *  قَبرَ الحَبيبِ فَلــَم يَرُدَّ جَــــوابي

أَحَبيبُ مالَكَ لا تَرُدُّ جَوابَــــــــــــــــــــنا    *   اَنَسيتَ بَعدي خِلَّةَ الأَحــــــــــبابِ

قالَ الحَبيبُ وَكَيفَ لِي بِجَوابِـكُم   *  وَأَنا رَهينُ جَــنادِلٍ وَتُـــــــــــــــــــــرابِ

أَكَلَ التُرابُ مَحاسِني فَنَسيتُـــكُم    *  وَحُجِبتُ عَن أَهــلي وَعَن أَترابي

فَعَلَيكُمُ مِنّي السَلامَ تَقَطَّعـــــــــــــــَت  *   مِنّي وَمِنكـــُم خِلَّةَ الأَحــــــــــــــبابِ

مهما يكن الأمر فلن ألهو عنك لن أسلو عنك  ، لن يغيب قبرك عن خاطري ليظل شاهدا على الحقيقة التي لن تغيب عن عيني إلى أن ألحق بك !....


4
0
0

Anonymous {{ comment.name }} {{ comment.date }}
{{ comment.text }}
Anonymous {{ sub_comment.name }} {{ sub_comment.date }}
{{ sub_comment.text }}