• انشر كتاباتك
  • احصل على آراء وتقييم آلاف القراء والكتّاب
  • طوّر مسيرتك الكتابية

سجل حسابك الآن وابدأ رحلة الكتابة!

إنشاء حساب تسجيل دخول
أهم نص على الإطلاق
أهم نص على الإطلاق
ظلام مرئي

أعتقد أن الخوف (إضافة إلى الشعور بالذنب) يملك أكبر قوّة على تغيير مجرى الحياة. 

دعوني أحكي لكم حكاية:


كانت بطلة حكايتنا طفلة طبيعية، وُلدت بشكل طبيعي رافقه حماس ولادة أول طفلة، بكر العائلة وفخرها، أو هكذا كان من المتوقع. لكن للحياة خطط أخرى أتجنّب أن أدعوها "قضاء وقدر". بعد ولادتها اتضح أنها تعاني من عيب خلقي في جهازها الهضمي. كي لا أضجركم بتفاصيل السنوات الأولى من حياتها وطفولتها وما عاناه أهلها في أعقاب هذه "المفاجأة السارّة"، سأختصر وأقول بأنها لم تختصر مشاكلها على هذا العيب وحسب، كبرت واستمرت المصائب بملاحقتها، رغم ان الأطباء لم يروا لها مستقبلًا ولم يعتقدوا للحظة بأنها ستصمد، الا أن الحياة كما ذكرنا آنفًا اخذتها في مسالك غير متوقّعة اعتبرها الاطباء "معجزة طبية".

بمرور السنوات، لم تنجح بطلتنا بالتغلّب على التعقيدات الصحية، لم تتخطاها وتركتها تتراكم. بمرور السنوات فقدت الكثير من وزنها، ثقتها، حبها للحياة، إيمانها بالله، الأصدقاء، حتى الحواس.

ضعفها الجسدي جعلها تستمد قوّتها من أمها، أبيها وأخواتها. ضعفها كان عذرها لتلقي اللوم عليهم جميعًا، على الله تحديدًا، كبر غضبها تجاهه، ولكنها تجنبت الاعتراف بذلك، فوجهّت غضبها كله تجاه روحها، تجاه أمها والكتب.

كانت تهرب إلى داخلها، تكدّس الكتب، الأغراض، المحتويات، الاشياء الفانية. 

كانت تفعل ما أدركته لاحقًا بأنه تدمير ذاتي، البقاء فترة طويلة في مناطق الراحة، "تبديل" الاحباء كتبديل المواسم، سمحت للبيئة والظروف أن تجرفها عوضًا عن أن تكن هي التيار. 

لم تشعر بالتهديد في أي مجال في حياتها من قبل أشخاص آخرين، لم تحفّزها أي شخصية عرفتها طيلة حياتها على المنافسة، حتى جاء الأطفال: وحدهم من شعرت بوجودهم بأن شيئًا مهمًا ينقصها. 

ولكن الحدث الذي قلب حياتها رأسًا على عقب كان هو. رجلها، رجل الثلج.

قبل أن تعرفه تعرّفت على الكثيرين من قبله، وعدتهم جميعًا بأنهم سيحظون بفقرة على الأقل في كتاب حياتها، جميعهم دون استثناء أحسّوا بالمجد، باستثنائه. وحده كسر قوالبها، وحده تجرأ على رفضها، وحده كان رفضه أليمًا عليها، وحده من كسرها حين قال لا. واستمر في قولها. 

بعد مجيئه، أحبت الأطفال أكثر وكرهت الاناث. كانت تغار من أمه ومن عمله، كان يتحكم بحياتها دون أن يقصد حتى. كان تواجده من عدمه على مواقع التواصل، عدد الكلمات التي يرسلها، سرعة الرد، مدة ظهوره، جميعها أشعلت لديها جميع مخاوفها. مخاوفها الدفينة، نواقصها وعيوبها، هشاشتها ورقّتها، قسوتها وحبّها للانتقام. 

لا تحاول بطلتنا اليوم أن تلقي اللوم على متغيّر آخر في الحكاية، فهي تدرك اليوم جيدًا حجم مسؤوليتها تجاه نفسها، وحجم الدمار الذي سببته لروحها. 

وحين بأن وقتها لإعادة البناء قد حان، انهار عالمها من جديد، كم لهذه العنقاء أن تحترق وتعيد بناء ذاتها من جديد؟

تقدّر بطلتنا اليوم جميع من دعموها، جميع من آمنوا بها، جميع من قال لها عليكِ أن تكوني قوية- طالما انها إشعاعها ونورها لا يقترب من هالتهم، وهي غالبًا هالة مزيفة. 

ولكنه ليس ما أتينا لمناقشته اليوم- طاقة بطلتنا تكاد تستنفذ وهو ما يقلقنا. 

إلى متى سيصاحبها القلق؟ لعله أهم نص قمت بتدوينه هنا، ولكني سأتوقف الآن.. فهناك الكثير من الـ ماذا لو.. التي تخطر ببالي كان بمقدورها أن تغير مجرى الحكاية، دعوني أكمل مرة أخرى، ولك-آمل أنك تقرأ- أقول قبل الوداع:

"وإنك أمني وأماني ومأمني، وقوتي وقوّتي وقوقعتي، ومسكني وسكني وسكينتي، وروحي وراحتي وروحانيّتي."

فلا تخذلني.


17.07.21


7
0
2

Anonymous {{ comment.name }} {{ comment.date }}
{{ comment.text }}
Anonymous {{ sub_comment.name }} {{ sub_comment.date }}
{{ sub_comment.text }}