• انشر كتاباتك
  • احصل على آراء وتقييم آلاف القراء والكتّاب
  • طوّر مسيرتك الكتابية

سجل حسابك الآن وابدأ رحلة الكتابة!

إنشاء حساب تسجيل دخول
عُرْبُونُ وِفاقٍ وارتِفاق..!
عُرْبُونُ وِفاقٍ وارتِفاق..!
رسالة في عَرَضِ القدر، علَّها تَصل:

تحيَّاتٌ طيِّباتٌ أُرسلها بمشاعري المُمتلئة بالحُبّ والقَداسة والمُعطَّرة بشذى الطِّيب، إليكَ رفيقي سلمان العودَة، أمَّا قبلُ: فقد وَقَعَ صدىٰ كتابكُ "الزَّنزانة" في قلبي أيُّما مَوضِع ومَنزلة، ووجدتني أمامَ ما أريد، بنفسِ الطّريقة التي أردت، وبنفس اللُّغة التي كنتُ أتلهَّفُ لسماعها هذه الأيام، لأنّي فعلًا فقدتُها ممَّن نَصَّبَ نفسه معلّمًا، شيخًا، مُرشِدًا، مُتَعالمًا -وما أكثرهم-. 

وبعدُ: فَهذه ليست رسالةً إليك، بل هيَ نتاجُ غَرسكَ طيلةَ كتابٍ وَحُبٍّ. 

أعلمُ يقينًا أنَّ مثل هذه الكلمات لن تصِلَ إليك، لأنَّك بنظَرِهم عَميلٌ خائنٌ لا تُريدُ إلّا الخَرابَ والفتنة، ولهذا فأنت تستحقُّ الذلّةَ والإهانة -وغيرك كثير- هذا حال الأنظمة العربية و"الخَلَجيّةِ" تحديدًا. 

لكن اطمئِن، هُم أرادوا أن يَطمسوا صوتك وأثرك، لأنهم أدركوا صدى صوتكَ فينا. 

أجزم يقينًا أنَّك بأحسن حالٍ في زنزانتكَ اليوم، أتدري لماذا؟ لأنَّك أعطيتَ الحُريّة لكثيرين عبرَ أنهار قلمكَ التي انهمَرت على الورق فأنبتت وأينَعَت ونَفَعَت، فَجُزيتَ عنّا من الخيرِ أجزله. 

لم أُخاطبكَ بالرَّفيق إلَّا لأنّي شعرتُ بأنَّكَ كُنتَ معي طيلة هذه الرِّحلة المُمتعة جدًا، وجدتني معكَ أستاذًا ناصحًا، وشيخًا شفوقًا، ومُعلِّمًا قدوةً يُحتذى بهِ في كثيرٍ من الأيَّامِ والمواقف والأحداث. 

أَتَذكُر رسالةَ الطفل الحِمصيّ "يامن"  عندما بَعَث إليك؟ رُبما نسيتها -من فَرْطِ ما ألّمَّ بِكَ وأنتَ هُناك، ترقدُ على حافَّة الأمل، سطحُكَ الظلامُ الدَّامِس وأرضُكَ بردُ الظُلْمِ القارِس-.

لا بأس عليك، سأقرَؤها لكَ على تَؤدة:

 كتبَ لك: "لكي تعرِف لا بُدّ أن تعيش، هُنا لنا حياةٌ مُختلفة 

اسمي: يامن 

وضعي: يتيم 

حمص الجريحة..!"

أتعرِف؟ عندما قرأتها؛ بعدَ المرّة القاضية، اجتاحني شعور غريب لطيف ومُؤلم في آنٍ واحِد، هههه، رُبما يُضحككَ هذا، لكن فعلًا كانَ لصدى حروفها أثرُ الطُّوفان في عُمقِي، شعرتُ بمدى خُضرَة الأمل التي زرعتها في قلبِ ذاكَ الطفل اللاجِئ، اليتيم. 

رُبما تُزعِجُكَ كلمةُ لاجِئ لكنّنا هكذا، هُم أرادوا لنا هذه التّسمية؛ أصبحنا لاجِئينَ في "بلادُ العُربِ أوطاني"، ومُغتربين حتّى في ديارِ  إسلامِنا يا رفيق.

أصبحنا نخجَلُ مِنّا، ومِن مَسقَطِ رؤوسِنا، أصبَحَت كلمةُ"إنتَ سورِي" بازدراء وشَزَرٍ واضح، بالنسبةِ لنا هيَ سِكّينٌ تُغرَسُ في القلب مرّة بعد مرّة، وتترُك الجُرحَ بعدَ الجُرح كرّة. 

تخيَّل؟! السّجنُ وخارِجه واحدٌ يا صاحِ 

على هذه البسيطةِ الجَاهلِ أهلها، نتكالبُ على بعضنا بعضًا ونحنُ منّا ومِن أصلابِنا. 

الزنزانة التي تقطُنُ فيها الآن هيَ نفسُ الزنزانة التي تُؤينا نحنُ اليوم، تختلفُ الأسماء والظُّلْمُ واحد.

دعكَ من هذا كلّه؛ أتعرفُ يا رفيق مدى عَظَمَة المَرء حينَ ينظُر إلى الأشياءِ والأحداثِ بنورِ الله؟ هكذا أنت؛ قلبتَ  القوانين، والموازين، وغيّرت مسيرَ السّير عبرَ صفحاتٍ كانت لي -ولغيري- نموذجًا طيّبًا شَربنا منهُ في كلّ مرة يجتاحنا عَطَشُ التِّيهِ والضَّعف.

أعلمُ أنّي أطلتُ الكلام، وأرجو ألّا يكونَ بهذا قلَّة أدبٍ ووعي، ولكن اعذرني، أريدُ أن أبوح لكَ بكُلّ ما لديّ من كلام.

بعدَ كُلّ المَصائب والمِحنَات التي مَررتَ بها يا صديقي: أجدكَ تُخبرني أنَّ 

"الشَّمسُ تُشرق كُل يوم، والكون يُسبِّحُ الله، والأفلاك في حركةٍ دَؤوبةٍ  لخدمتك، العينُ اليقظة وَحدها التي تقرأُ السِّر وتتجاوب مَع هذا الهتاف المُؤمن...!"

ما أحقر البلاء بمقابلة الصبر، وما أحسنَ الصبر إذا رُزِقَ الإنسان رؤية نُورانيّة لكُل ما يمرّ بهِ ويُمتَحَن. 

-"صديقكَ سلمان العودة":

هكذا ودّعتني عندما وَصلنا إلى بعضنا، لن أقول كانت رحلة عابرة وانتهت؛ لا، هيَ حياة قادمة قد بَدَأَت، نستطيع أن نقول أنَّها بداية النهاية، وعربون وِفاق وارتِفاق. 

أنا مدينٌ لكَ حقًا، نعم عزيزي؛

علّمتَني أنَّ للشمسِ ضوءًا لا يَختفي،

وأنَّ للقَمَر بَهجة مُستدامَة، وأنَّهُ وإنْ أفلَ أحدهما سيكون الآخر حاضرًا معي، يُرافِقُني في زنزانتي، في كُنْهِي وذاتي التي وجَدتْ.

علَّمتَنِي أنَّ: "الإنسان القارِئ هو إنسان مُفعمٌ بالحياة، وأنَّ القراءة للجميع مثل الخُبزِ للجميع." 

أسرَرتَ لي أنَّ: "الجَمال في أن ينبثقَ الحلم الجميل من قلبِ المُعاناة! وأن يتحوّل هذا الحلم إلى هدف مُستشرف يُضحَّى من أجلهِ بالنّفسِ والنَّفيس."

تلمذتَني على أنَّ: "قانون البداية: كُلكم من آدم وآدم من تُراب، وأنَّ للنّهاية أيضًا قانون:"وكُلُّكُم آتيهِ يومَ القِيامةِ فردًا".

درَّبتني أنَّ: "قوّة الإرادة تكون في أوجِهَا زمنَ الشباب، حيثُ العزيمة الصادقة، وبذرة العادة لا زالت لم تكبرْ وترسخ جذورها".

أدَّبتَني قائلًا أن:"لا أرفع سقفَ التوقّعات، وألّا يكون العتاب أساسيًا في العلاقة وأن لا أُكثِر من التّشرّه"، وأراكَ تَعرِفُ حُبّي للأمثال العربية فأكملت قولك بِقولِ العرَب: "من تشرّه تكرّه"..! 

ما أجملك حينَ قلتَ لي بلهجة العَطف: "من جميل العادات أن تُفكِّر قبل أن تتكلَّم، وألّا تنظُر إلى الموضوع من زاوية واحدة، ولا تندفع برأيك حتّى تسمع من هوَ أسنُّ منكَ أو أوسع خِبرة أو أكثر معرفة"

أعرفت الآن لماذا أنا مَدينٌ لك؟!

علَّمتني، وأرشدتني، ووجّهتني وهناكَ الكثير لم أُخبركَ أثر ما كتبتَ لي، لكن يبدو أنَّهُ لا طاقةَ لكَ بِسماعي أكثر من ذلك. 

آسفٌ؛ ولكن أريد أن أعترف لكَ بِسِرٍّ أخير: عندما قُلت أنّ: " النّجاح مُرتبطٌ بالجَلَد وعدم الاستجابة للمَلل واستمرار المحاولة، وأنّ المُثابرة هي عادة عقلية يُمكن تعلّمها والتدرّب عليها"

كانت هذه الكلمات تدُقُّ في رأسي كناقوسِ الخطر كُلّما راودتني فكرة التراجع والاستسلام لحوادث الأمور والمَصائِر، فَتَشدُدُ على قلبي أنِ اثبت وامضِ في تأييد الله ورعايته لا قلبًا تائِهًا ولا همّةً دنيْئَة. 

كُنتَ عظيمًا عندما أقرَأتَنِيها وأصرَرتَ على زراعتها فيَّ.

أوَتذكُر عندما أخبرتني أنَّ: "أستاذ الجُغرافية كان يشرحُ لكُم عن دوران الأرض كحقيقة علميَّة، ويأتي في الحصة التالية مُدرِّس التفسير ليقرر أنَّ من يقول بدوران الأرض كافر".

أضحكتني حقًا! اليوم يا رفيقي،

أُستاذ اللُّغة العربيَّة يفقَه بكُل شيء إلَّا بالعربيَّة، وأُستاذ التربية الأخلاقيَّة يُعامُلُنا كما البهائم، يشرَحُ لنا عن آداب الحِوار في بداية الحصَّة الأولى وفي نهايتها نرفعُ الإصبع للسؤال فيُجاب بأن 

"اسكُت يَ حمار"! 

ومسؤول المَكتبة وظيفتهُ في المكتبة التدخين، شُرب القهوة، وإجراء المُكالمات! 

والسَّبقُ للشاطِر وابنِ العشائِر. 

علّمونا أن ليسَ لنا إلَّا السّمعَ والطَّاعة وإنْ تأمَّرَ علينا كلبٌ "جعاريّ"، الخضوع للأوامر والتوجيهات أيًّّا كانت، وأنَّ المِنهاج دستورٌ مُنَزّل لا يحقُّ لكَ مُخالفتهُ أو انتقاد أي معلومة فيه. 

"بلاش منها الفلسفة"! 

لا عليك، اعتدنا هذه التناقضات والانفصامات التعليميّة والازدواجية في الشخصيّة داخل مُجتمعنا العربي هذا؛ آهٍ يا رفيق كم نحنُ أصحاب عاهات عقليَّة واجتماعيَّة ذميمة. 

دعكَ من هذا وأخبرني، ما يهمني الآن هوَ أنتَ، هل أنتَ بخير؟

انتظرِكَ بحُبٍ يا شيخي، لا أخفى اللهُ بريقكَ مِنّا ولا أطفَأَ لكَ ضوءًا يسطَعُ فينا.

كانت هذه الرّسالة منّي، كَتبتُها في قلبي ومن عُمْقهِ تحديدًا، والسّلامُ عليكَ حيثما أنت، وأينما كنتَ لا تضرّكَ ظُلمةُ سجنٍ، ولا ضِيقُ مَساحة، بداخلكَ بساتينٌ خضراءٌ مُثمرة طولًا وجَوهرًا، أنا أثِقُ بِك وبِخُضرَةِ جوهَرِك.

تاريخُ البداية

400 صفحة - زنزانة - 2019

مُريدكَ محمد نور الظريف. 


17
0
5

Anonymous {{ comment.name }} {{ comment.date }}
{{ comment.text }}
Anonymous {{ sub_comment.name }} {{ sub_comment.date }}
{{ sub_comment.text }}