• انشر كتاباتك
  • احصل على آراء وتقييم آلاف القراء والكتّاب
  • طوّر مسيرتك الكتابية

سجل حسابك الآن وابدأ رحلة الكتابة!

إنشاء حساب تسجيل دخول
عندما يسقطُ الثور تلمع السكاكين
عندما يسقطُ الثور تلمع السكاكين
Google+
عدد الزيارات
838
« السبب في أن الحقيقة أغرب من الخيال هو أن الخيال يجب أن يربطه خيط منطقي ليجعلنا نصدقه ، أما الحقيقة فقد تكون لا منطقية تماماً »
سيدني هاريس

مطارقٌ ، فؤوس ومَعاول..

تدافع حشدٌ غفير، بدافع الفضول، ليتبينوا ما حصل بالضبط، تعالت صيحات استنكار مُتصادية مع صراخ السَّيدة، و ازداد الحشد ازديادا، فهُيِّئَ الوضعُ للانفجار وخَلاَ المكان للفوضى والصراخ والغبار وروائح العَرق. أحدهم كان يضحك ساخرا من المشهد، نَحيلٌ وأسنانه مكسورة، وآخر بِشاربٍ خمسيني ووجهٍ مُرَبعٍ واجِم، حدَّجَ صَاحبنا بنظرة وعيد وعداء. صاحبنا المرعوب مزال مُطأطِاً رأسه آسفا على ما حصلَ قبل لحظاتٍ، مزال كذلك، فيما تُواصل السَّيدة هَيجَانها وَسط الجمهور المتحلق مُمسكة بيد طفلها. هذا الطفل الصغير يُغَالبُ الجموعَ المُلتصقة ويسرقُ، وسطَ الزحام، ومَضاتٍ سريعة. من مَوقعه وقامته القصيرة، تتبدَّى له ذُقونٌ ولِحى، حين يُخفض رأسه ليأخذ نفسًا، يرى النّعال والأرجل المتَّسخة وغُبارا مُتصاعداً، يَحشر رأسه الصغيرة، بما أوتي من إصرار، بين سِيقانِ المتفرّجين ورُكبهم ليخطف نظرة أخرى، ثم يُحجَبُ عنه المَشهد تماماً، في لحظة، بعد ظهور صاحبِ جلباب صوفي أخضرَ طويل القامة، هذا الطويل يخطو صوب صَاحبنا في حزمٍ وغضب قبل أن يمسك بتلابيب قميصه...

اعتاد صاحبنا المرور من هذا المعبر الضيق بسلام. لم يتصور أن مشواره القصير سيكون حافلا بالمتاعبِ هذا اليوم؛ ذلك النوع الذي يُرعبه، يجعله بؤرة لعيون المارة و عُرضة لتحديق المتطفلين؛ الصغار، صعاليك الحي واللصوص، المحتالون و أصحاب اللحى الطويلة، نساءٌ مسمومات تتغذى على حروب الألسن ودراما الشوارع، عَجائزٌ متقاعدون يقتلون وقتهم بلعب الضاما. ذلك اليوم كان مُصيبة في عُرفه، و قبله بيوم فكر في الخروج من وكره لأجل اقتناء ما يبقيه على قيدالحياة. مثل دب قطبي، لا يستلذ الخروج ولا يظهر علنًا إلاّ بمقتضى الضرورة. أرجأ الفكرة إلى اليوم الموالي، وباتَ جائعا تلك الليلة، الجوع أهون عنده من فُوبيا الاختلاط بالبشر و جَلبة الجموع والضوضاء، من حملقة عيونٍ جاحظة، وأخرى تأصل فيها الشر، من همهمة الجيران، فُضول الصبيان. عاش في مَحجره النفسي مُستطيبا التَّوحُدَ والانكماش على الذات، وطَّنَ نفسه، مٌنعزلاً، في بيتٍ قديم منذ سنتين ونصف، لا يرى نور النهار إلا لماما، يقتني سجائره ليلا ويختبئ طول الوقت. يعتقد أن الخلوة تمنحهُ صفاء الذهن وشسوع الاستبصار والكَشف. يقضي النهار نائما وينْشطُ ليلاً، يحارب الملل بين قراءة كتاب في الفلسفة أو كتابة خواطر مِيلنكُوليَّة مجنونة أومشاهدة أفلام الخمسينات من القرن الماضي. أحيانا لا يفعل سوى الاستلقاء، يكتفي بالتطلع إلى سقف غُرفته المتآكل جَراء الرطوبة، يَرقُب فُتَاتَ قشور الطلاء المتساقط أيام الشتاء أو يَرنُو، مندهشا، بعد لٌفافة حشيشٍ فَعَّال، إلى حركة الناموس والذباب في هدوء قارسٍ وسكينة لذيذة، عدا ذلك، يستغرق في تأمل أفكاره الشقِيَّة إلى أن يُسرقَ من ذاته بغفوة تُشبه الموت. ليالٍ بيضاء متواترة أخذت من عقله وجسده؛ جسمٌ نحيف، عَينانِ ناعستان فيهما بريقٌ خافتٌ و شيئٌ من وجعٍ قديم، تُحيط بهما هَالة من السُّمرَة ، وشعره الكثيف يوحي بمنزعٍ بُوهِيمي كنمط في العيشٍ وأسلوب حياة. إن تطلعت إليه بإمعان لن تخطئ مُسحة البؤس التي ترسُمها تقاسيم وجهه، يبدو وجهه الصغير غارقا في كثافة شعره مثل قُنفدٍ برِّيٍ، ونبرةُ صوته تخبئ سّرا تراجيديا، مُقتصدٌ في كلامه ولا يُحدّثُ إلا بمايتطلبه الموقف... وتلك الليالي المديدة، في عز البرد وحر الصيف، ألهمته الصمت والركون إلى مساحات الظل.يَحْدُتُ أن يقضي ليلة كاملة مُستلقيا في الظلام، ثم يقفز فجأة كأنما جاءه وحي أوصرع، يُنير الغرفة ثم يمسك قلما (سكينا بالنسبة لهُ) ليُقَطِّعَ أوصال الحروف عند عتبات المجاز والاستعارة، فيتوضأ بدِمائها قٌربانا لخِلّانه الأوفياء من الأشباح وكائنات الليل. يكتبٌ في وجعٍ :


" تخالجني رَغبة متجذرة في تحرير العصفور المسجون في صدري..أنا لن أطلقه إلى الربيع كما فعل فان كوخ من قبلي، بل سأطلقه ليختار وجهته ولا أعلم إلى أين تحديدا، لأن من خَبِرَ التّيهَ في وعيه قدلا يستوعب إمكانية وجود نظام أو عوالم أخرى في غياب الوعي... أما الآن فهوسي مُنصبٌّ على طرد هواجسي:الخوف؛ هذا البعبع الحاذق في اصطياد الجبناء من الذين عجزوا عن اختبار أرواحهم...لتحقق بذلك مَطْلب تطهيرها من وسخ العالم ودناءتِه، وتهدم آخر ماتبقى من مقولات كبرى؛ الحياة "

 

صحاَ متأخرا هذا اليوم، كعادته. في المطبخ تناولَ كأس ماءٍ بارد، ثم تلمَّس طريقه بين أكياس القمامة المُكدَّسة علىى الأرض إلى المرحاض، غسل وجهه وهَمَّ بالخروج، تذكَّر مفاتيح الشقة قبل أن يَسُدَّ الباب. كثيرا ما نسي مَفاتيحه واضطر إلى كَسر القفل. دَوَّرالمفتاح في القفل. في الطريق إلى سوقٍ شعبي، ثمة مَسالكٌ مختصرة، آمنة ولا تشهد اكتضاضا، يعرفها جيدا، أزقّةٌ ضيقة ودروب قديمة كلها تؤدي إلى المسعى نفسه، بيدا أنه لا مفر من الاختلاط بالبشر حالما تصل هناك، ذلك شر لافكاك منهُ. اقتنى في خِفَّةٍ خبزا وشيئا من الخضروات الرخيصة، دجاج و مشروب غازي، علبة سجائر، ثم أسرع الخطى رجوعا إلى البيت، اعترض طريقه نفرٌ مِن مَنْ يتسابقون، في جري محموم، وراء تحصيل مَعيشهم، مَسحَ بعينيه المعبر الضيق المزدحم فانتابه توتر وقلق، حاول البحث عن مخرج آخر، هنا وهناك، فلم يجد، فكّر الانتظار ولم تطاوعه نفسه تَحمل جَلَبَة السُّوق وضوضاء الباعة والمتسولين وكل هؤلاء. أمْعَن النّظرَ أكثر، وانفرجَ، في برهة خاطفة، ثغرٌ ضيق وسط الزحام، كأنهُ بوابة عبور الزمن، فانطلق كالبرق لينسل بجسده النحيف، ليستلَّهُ برفقٍ وينعم بالخلاص. تحت ضغط التوتر ولهفة الخروج من مأزق الزحام، لم ينتبه إلى سيدة أربعينية ممتلئة تقف عند بائع ثيابٍ يَفترش الأرض.في اللحظة التي عزم صاحبنا العبور، تزامن انسلاله الرشيق مع نُزول السَّيدة لالتقاط ثوبٍ مُتخِذة وَضع الرُّكوع، سَدّت بجسمها الممتلئ تلك الفجوة الضيقة قبل أن تشعر بشيءٍ غريب يضغطُ مُؤخرتها الناتئة لتقفز صارخةً. لم تَكن سِوى أصابع صاحبنا من يده اليسرى، والتفت الماَرَّة جميعهم، الرائحون والغَادون، توقفوا على إثر الصياح، فُتحت نوافذٌ خَشبية وأطلّ منها ربّات البيوت. استدارت السيدة بكامل جسمها الممتلئ لتفحص مصدر الشيء الذي كدّر، أو لعله أسعد، مزاجها، فإذا بصاحبنا يقف متسمرا من هول الموقف. وجدَ نفسه مُحرجًا وَسط جُماعٍ من الفضوليين وصائدي الفضائح، لم يتعمد الإساءة طبعا، لكن الصدمة حالت دون أن يظهر في ثوب البريء، ظل صامتا. السيدة تفور غاضبة ناعتةً إياه بألون الشتائم وصنوف النعوت القذرة:

 يا حمار! من أي زريبة أتيت ؟ أنا سليلة الشرفاء وبنت أصلٍ ووقار يا ابن الكلب و عشيرة الضباعِ وسلالة الخنازير! 

 بعض المارة بادروا إلى إخراج هواتفهم والتقاط اللحظة بِنيَّة تأبيدها، عادة القوم هنا أن يشهروا سكاكينهم، بلاهوادة، في وجه الضحية، والحال أن وَضع صاحبنا الآن أمسى حَشَريٌّا، أكثر تعقيدا. إلى أي مُنحدر درماتكي ستهوي به الفضيحة؟ لو أن الأرض تنشق لقفز، دونما تردد، إلى باطنها غير آسف ولا حزين، يحاول تبرير ما حصل مُومِئًا بقسمات وجهه المفجوع لكنه عَبثا يفعل. هو لا يهوى الكلام في ظروف أفضل فكيف سيفعل تحت الضغوط؟ لا أحد سيصدقه لأن هذه السوق شَهدت سَوابق من هذا النوع، بل أفظع، واُقتيدَ كثيرون إلى مخفر الشرطة ثم خضعوا لاستنطاق البوليس. منهم من ضُرب على رأسه بالنعالِ أو صٌفع على قفاه قبل أن يُسلمه الحَشدُ للسلطات، ومنهم من تُفِلَ في وجهه. كيف سيجعل كل هؤلاء الوحوش يثقون في روايته؟

توسّط بعض الشهود بخيط أبيض وطلبوا الصفح والمغفرة. أحدهم أومأ لصاحبنا بالاعتذار، بل التذلل وطلب العفو.تَملكه اليقين بلا جدوى التبرير العقلاني لما حصل وارتأى أن الخلاص وسط هذه الفوضى الماحقة لن يتأتى إلى بالتزلف وطلب الصفح، وذلك ما كان. أرغدت وزبّدت السيدة الممتلئة رافضة اعتذاره. تشدقت بمفرداتٍ ناريّة ولوحت بأصابعها متوعدة، تطاير اللعاب من فيهها، وألمع بريق شر في مُقلتيها وهي تٌطلق أقذر النعوت، اصطنعت أنفة زائفة، منحها موقع التفوق الدرامي والعيون المركزة تقمصا تاما لدور المستحوذ، استشعرت عَون الآخرين ودعمهم لها، نفاقهم أيضا، فتملكها إحساس متعاظم بالسَّطوةً والتّمكين قلّما يتأتَّى لكائنات بائسة تعيش وتموت على الهامش، ولنا أن نتصور ماذا ستفعل لو وُهبَتْ السلطة والسلاح. استلذت القوة، فتَسيّدت وأمعنت في احتقار صاحبنا وأغدقت مافي جُعبتها من حقدٍ حتى كادت ترفع ذراعها لتصفعه. فَزِع طفلها الصغير وارتعب فأطلق صرخة بكاء هيستيري زادت المشهد احتقانا، وهي اللحظة التي أمسكَ فيها صاحب الجلباب بتلابيب قميص صاحبنا مُحدقا في عَينَيه، همس في أذنه: من تحسبٌ نفسك يا ابن الفَاجرة؟ تَغوّلَ أكثر، وليُثبت فحولتهُ أمام الوحوش، طرحه أرضاً ثم انقضَّ عليه جاثما بركبته على صدره متوعدا إياهُ بالويل والبثور قبل أن يتدخل شيخٌ مُسن، عليه هالة وَقارٍ وهيئة متصوف يعرف الله، يَطلبُ تحريره...

هَرع صاحبنا في طريقه إلى البيت مهلوعاً، مُحرجا،  ومضى يسارع الخطى، مازلت العيون تلاحقهُ، خفضَ رأسهُ ليتحاشى تَقابلَ العيون، ترامى إلى مسامعهِ قهقهاتٌ ساخرة أيضا. دَلف حثيثا إلى زقاقٍ ضيق خالٍ من الوحوش الآدميّة فتنفس الصعداء، ماهي إلاّ لحظة وجيزة حتى لحقهُ صِبية أشقياء ثم أطلق ساقيه للريح لئلا يُصبح من جديد مرَكز جذبٍ للمتطفلين من نوافذ البيوت الآيلة للسقوط، تمزق الكيس البلاستيكي في يده فتبعثرت المُشتريات على الأرض، عاد مُسرعا والتقط عُلبة السجائر ثم أكْمل عَدوه. حاول فتح باب البيت في ارتباك وأخطأ المفتاح، ثم جرّب مُجددا فأخطأ، أسقط المفاتيح هذه المرة أرضا، جرب من جديد وأخطأ، وصل الصبية إلى باب بيته، ثم انفتح الباب المهترئ بمشقة، دلف إلى الداخل وسدّه بإحكام في غضب، ثم أسند ظهرهُ إليه لاهثا، مزال يلهث غير مصدقٍ ماحصل معه اليوم، أحس بِغُصة الاحتقار، وقفزت إلى ذهنه تلك الاستمناءات النظرية حول الحقيقة وسِجالات الذات في علاقتها بالحق، استشعر كُفراً بواحا بالمقولات الكبرى، بالإنسانية والقيم والعدالة، ناقماً على اللحظة التي سقط فيها إلى الزّمن، وهو يلعنُ شرط وجودهِ الجَهنّمي، ويلعن العالم، ويلعن اليوم الذي رأى فيه النور. جاءت في نفسه وساوسٌ قديمة بشطب اسمه من سجلِّ الكينونة، مزال كذلك مُسنداً ظهره للباب قبل أن يٌلقي بعلبة السجائر أرضا ثم ينزل، رويدا، للجلوس وظهره في احتكاك لَيّن بالباب. الصبية يصيحيون بالخارج. ما إن اتخذ وضع الجلوس التام ليلتقط الأنفاس حتى نفث زفرة طويلة ومعها أطْبق َجفونه فانحدرت دمعةٌ حارقة...




2
0
0

Anonymous {{ comment.name }} {{ comment.date }}
{{ comment.text }}
Anonymous {{ sub_comment.name }} {{ sub_comment.date }}
{{ sub_comment.text }}