• انشر كتاباتك
  • احصل على آراء وتقييم آلاف القراء والكتّاب
  • طوّر مسيرتك الكتابية

سجل حسابك الآن وابدأ رحلة الكتابة!

إنشاء حساب تسجيل دخول
عندما يصبح الطبيب مريضا
عندما يصبح الطبيب مريضا
لا يشعر بقيمة النعمة الا من سلبت منه ومن المحزن جدا ان يسلب الانسان نعمة كالإبصار التى تمتع بها على مدارعمره حتى ساد اعتقاده بانها دائمة ولم يفكر يوما فى زوالها.

وللعمى المكتسب اسباب لعل اشهرها واكثرها شيوعا ما يسمى المياه البيضاء او الساد او الكتاراكت وهو فقد بروتين عدسة العين لشفافيته فتصبح كالزجاج المعتم او الذى يعلوه التراب فلا يرى ما خلفه.


بدأ الطبيب الكبير يشعر بأن الابصار بعينه اليسرى قد بدأ يضعف تدريجيا ذات مرة اثناء هبوط الطائرة ليلا كان يرى اضواء المطار كالنجوم المشعة فاعتقد ان هذا نوع من التكنولوجيا الجديدة التى تضفى جمالا وفى ذات الوقت لارشاد الطيارين وتسهيل تمييزهم لاضواء المطار عن غيرها. ولكنه اكتشف ان اضواء السيارات كذلك بل كل الاضواء يراها ليلا كالنجوم المشعة.


نسى الامر ولكن بدأ يجد صعوبة فى القراءة فذهب لعمل نظارة وبدأ الاخصائى فى فحص النظر بالكمبيوتر وفى لحظات معدودة سجلت المعطيات من العين اليمنى اما اليسرى فأخذت وقتا طويلا وفى النهاية قال الاخصائى ان الجهاز لا يستطيع القراءة  قال الطبيب له لا بأس اعطنى اى نظارة تساعدنى على القراءة وقال فى نفسه لا بأس والحمد لله انه لازالت هناك العين اليمنى بخير وذهب لطبيب عيون لفحص عينيه فقال انه لا يستطيع رؤية شبكية العين اليسرى لان العدسة معتمة للغاية تحجب رؤية ما بعدها بالرغم من استخدام قطرات تفتح البؤبؤ (حدقة العين). فسأله وما العمل فرد عليه ببساطة تحتاج لمداخلة لإزالة عدسة العين المعتمة وزرع عدسة اصطناعية. كان المريض الطبيب قد تدرب فى بداية حياته بقسم العيون ورأى كيف يفتحون العين ليخرجوا العدسة ثم يخيطون الشق الجراحى ويغلقون العين تماما لعدة ايام كما فى الافلام السينمائية القديمة بالابيض والاسود.


خاف الرجل وحاول التعايش ولكن حزنه كان مستمرا بل ويزداد مع الوقت وهو يرى ان بصرة يضعف باستمرار وشعر ان حياته بدأت تتغير فلم يعد قادرا على قيادة السيارة ليلا اما بالنهار فلا يستطيع الرؤية الجانبية بحيث من الممكن ان لا يرى حرف الرصيف او من يمر بجانبه هذا علاوة على مشكلة القراءة . ومما ازعجه وزاد من المشكلة انه بدأ يرى الاضواء ليلا كالنجوم بالعين اليمنى السليمة وهذا ما حدث مع اليسرى فى البداية وبدأت الوساوس تدب فى عقله. ايكون الاجل قد اقترب وبدأت الستارة تقفل تدريجيا ثم ماذا لو استفحلت حالة العين اليمنى ايضا هل اشترى الان كلبا وعصاه واتدرب من الان على المشى بدون الابصار وكيف استطيع ممارسة حياتى الطبيعية ايعقل ان اكون عالة على الاخرين وانا من امضيت عمرى لخدمتهم.


قرر الطبيب الذهاب لطبيب عيون شاب اوصاه به بعض محبية وكان مترددا لان الطبيب كان شابا صغيرا فكيف سيسلم عينيه لشاب لا توجد فى راسه شعرة واحدة بيضاء تنم عن خبرة السنين. ولكن لا بأس من سماع رأيه وعلى كل حال من المعروف ان اطباء العيون هم دائما وابدا اذكى الطلاب وهم اوائل دفعتهم على الدوام ثم بعد ان قرأ الطبيب عن حالته تبين ان طرق العلاج اصبحت مختلفة تماما عن الماضى وان العملية تتم بالموجات فوق الصوتية وحدها او مع الليزر وتتم من فتحة متناهية الصغر يتم من خلالها الدخول الى الحافظة التى تحتوى على العدسة حيث يتم تفتيتها وازالتها ومن ثم تركيب عدسة اصطناعية ولا تحتاج هذه الفتحة حتى لغرزة واحدة وممكن ان تتم العملية تحت مخدر موضعى او مهدىء عام عميق ولا تحتاج للتنويم بالمستشفى فعلام اذا القلق. 


ولكن مهما كان فهذه عين الانسان واحتمال الخطأ يجب ان يكون معدوما تذكر حينئذ احدى مرضاه اجرت هذه العملية فى مركز متخصص وبه العديد من الاطباء المتميزين ذوى الخبرة وبعد ازالة العدسة تبين ان الجدار الخلفى للكبسولة (الحافظة) التى تحيط بالعدسة المزالة ايضا معتم ولذلك تم التعامل معه ايضا حيث تم ازالة جزء منه بالليزر ليسمح بمرور الضوء القادم من العدسة الاصطناعية ولكن ما حدث بعد ذلك ان العدسة هربت من الكبسولة الخلفية (يبدو ان العدسة كانت صغيرة او الجزء المزال من الحافظة الخلفية كبيرا) وسقطت فى الجسم الزجاجى بالغرفة الخلفية للعين.


جلس الطبيب الكبير ينتظر دوره مع طبيب العيون صامتا يتأمل ما يدور حوله ورأسه مزدحم بالافكار. ولعل معالجة طبيب قد يكون لها مميزات كما ان لها عيوب فمن مميزاتها انه يتفهم بسرعة ما يقال له ولكنه فى الوقت نفسه ربما يحب الدخول فى التفاصيل وقد يكون كثير الاسئلة. جلس الطبيب بين المراجعين وتذكر مرضاه وهم ينتظرونه ومدى حرصه على احترام مواعيد عمله . جائت اليه ممرضة لتضع القطرة فى عينيه اما باقى الممرضات فكن فى نشاط دائب كالعاملات فى خلية النحل يقومون بعمل كل شىء قال فى نفسه ملائكة رحمة ومع ذلك اجورهن ضعيفة. هناك مراجع اخذ يعد نقوده بحرص ويعلم الله كيف جمعها لكى يعالج عينيه فاضت عينيه عندما تذكر مرضاه الذين لا يستمرون فى العلاج بسبب النواحى المادية. خرج مريض من العيادة مبتسما فرحا وذكر الطبيب الشاب بخير لانه طمئنه واراح نفسيته قال فى نفسه هكذا يحتاج المرضى للطمئنة وتهوين الامر عليهم.


طال وقت الانتظار فنظر ابن الطبيب فى ساعته ونظر الى ابيه فوجده مبتسما فسأله عن سر ذلك فرد قائلا هذا الطبيب الشاب يفكر فيما افكر فيه ويريد ان يهتم بى اكثر ولذلك يحاول ان يفضى نفسه من كل المرضى الموجودين حتى يتفرغ تماما لى فنظر ابنه اليه وكأنه يستوضحه فقال له اذا كنت جائعا وحضر الطعام وفى نفس التوقيت دخل توقيت الصلاة فهل تصلى ام تأكل اولا فقال بل الاكل اولا حتى لا ادخل الصلاة وان مشغول بغيرها ولو كنت تريد الذهاب للحمام فهل تذهب للحمام اولا او تدخل فى الصلاة فقال الحمام حتى لا اتعجل فى الصلاة فقال هذا ما يريده الله سبحانه منا الا ننشغل بغيره ولله المثل الاعلى فقد روى مسلم ان عائشة رضي الله قالت إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : لا صلاة بحضرة الطعام ولا هو يدافعه الأخبثان. فهل فهمت سبب ابتسامتى الان قال نعم. 

واخيرا جاء الدور وتقابل الطبيبان وقوبل الطبيب الكبير بترحاب كبير فرد قائلا بالرغم من كبر عمرى الا اننى استفدت دروسا وانا بين المراجعين لقد شعرت بهم لقد عشت حياة المرضى لا حياة الطبيب لقد رأيت الحياة من الجانب الآخر وكان الطبيب الشاب هادئا ومهذبا واثقا من نفسه وبعد ان اتم الفحص باجهزته الكمبيوترية نصح باجراء العملية لاحظ الطبيب الكبير(المريض) مدى مهارة الطبيب الشاب فى استخدام الاجهزة المعقدة ولم يتعجب من ذلك فهم من جيل واحد ولدوا معا ولكنه سأل انتم تزيلون العدسة وتتركون الحافظة (الكبسولة المحيطة بها) لتزرعوا بداخلها العدسة الاصطناعية فقال الطبيب المعالج نعم هذا ما نفعله بالفعل فرد قائلا العدسة والكبسولة من عمر واحد وما اصاب العدسة قد يصيب الكبسولة فقال الطبيب الشاب نعم فسأله وماذا انت فاعلون بالكبسولة ان كانت هى الاخرى معتمة فرد الطبيب الشاب ممكن استئصال جزء منها كشباك يسمح بمرور الضوء القادم من العدسة ولكن هناك مشكلة . فقال الطبيب الكبير وما هى ؟ فرد عليه يجب الا نفعل هذا قبل مرور وقتا كافيا بعد زرع العدسة لكى تثبت فى مكانها لان الحافظة الخلفية كالجدار الذى يسندها من الخلف ولو تعجلنا فى ازالة جزء منه قد تنخلع العدسة وتسقط داخل العين يعنى يجب الانتظار وقتا لا يقل عن شهر حتى تستقر وتثبت العدسة اولا . سكت الطبيب الكبير وقال فى نفسه والله لا يغرنك الشعر الابيض فهذا الشاب حكيم بل هذا الجيل الجديد فيه حكماء وتذكر مريضته التى سقطت عدستها داخل التجويف الخلفى لعينها.


اجريت العملية الاولى بالعين اليسرى تحت مهدىء عميق واستغرقت دقائق ربما اقل من 15 دقيقة كانت اخر عبارة سمعها الطبيب الكبير قبل ان يغيب عن الوعى هى البسملة التى نطق بها طبيب التخدير وكانت اول عبارة يسمعها اثناء الافاقة هى هذا يكفى لا نستطيع عمل اكثر من هذا الآن وهذه عبارة تنم عن معرفة الطبيب عن الحدود التى يتوقف عندها وهذه من شيمات الحكماء ان يعرف متى يتوقف ولا يتمادى فمعرفتة بالشىء ليس مبررا لفعله وهناك من الاقوال فى هذا المعنى الكثير مثل كل شىء يزيد عن حده سينقلب الى ضده وغير ذلك.


فى اليوم التالى كان الطبيب الكبير غاية فى السعادة لان الرؤية تحسنت بطريقة مذهلة حتى الالوان التى تعود عليها تغيرت وصارت زاهية وذهب لمراجعة طبيبه الشاب ليعبر له عن شكره الجزيل ولكن كان الطبيب الشاب غير سعيد بالنتيجة وقام بفحص عينه جيدا وقال كما ذكرت حضرتك قبل العملية ما قلته وجدناه فالحافظة الخلفية ايضا ستحتاج لجلسة ليزر لفتح شباك لزيادة قوة الابصار ولكن بعد مرور على الاقل شهر. طلب الطبيب الكبير منه ان يقوم بعلاج العين اليمنى ايضا خلال فترة الانتظار بعد ان زادت ثقته به وتم بالفعل اجراء نفس العملية للعين اليمنى وكانت  النتيجة ايضا رائعة. 


بعد مرور اكثر من شهر تم معالجة الحافظة الخلفية للعين اليسرى وكما توقع الطبيب المعالج زادت حدة الابصار جدا . مرت الشهور وكلما جلس الطبيب الكبير خاليا ذكر نفسه بان العدسة التى يرى بها الآن هى عدسة اصطناعية حتى لا يعتقد انه قد عاد شابا ولكنه ظل مبهورا بأداء الطبيب الشاب وكثيرا ما يردد لا يغرنك الشعر الابيض فالشباب فيهم البركة. 

 

اما عن الاسباب وراء فقد بروتين العدسة لشفافيته وبالتالى الاخلال بوظائفه ففضلا راجع مقال :  تصنيع وطى البروتين (إعجاز حير العلماء) ومقال : ما هى نواتج تسكر البروتينات (جليكاشن).


اما المثير للعجب هو تلك الالات والادوات الدقيقة للغاية بروب او انبوب دقيق للغاية يثقب العين ليدخل من خلال حافظة العدسة الى العدسة نفسها ثم يبث موجات فوق صوتية تفتت العدسة وفى ذات الوقت يغسل ويشفط الفتات الى الخارج يذكرنى بخرطوم او ابرة البعوضة التى لا تكاد ترى تثقب الجلد ثم تحقن مخدر موضعي حتى لا ينتبه لوجودها الشخص ومادة مميعة للدم (مانعة للتخثر) ثم تشفط الدم. اما الليزر فهو بالفعل معجزة من معجزات العصر كيف يستطيع التعامل مع حافظة العدسة فقط دون المساس بالعدسة مع انهما متلاصقتان ما هذه الدقة وما هذه السرعة بحيث لا يستغرق سوى بضع دقائق لانهاء المهمة ولعل القراءة عن الموضوع غير التجربة الحقيقية شىء مذهل بالفعل.


5
0
0

Anonymous {{ comment.name }} {{ comment.date }}
{{ comment.text }}
Anonymous {{ sub_comment.name }} {{ sub_comment.date }}
{{ sub_comment.text }}