• انشر كتاباتك
  • احصل على آراء وتقييم آلاف القراء والكتّاب
  • طوّر مسيرتك الكتابية

سجل حسابك الآن وابدأ رحلة الكتابة!

إنشاء حساب تسجيل دخول
عندما غرقت في البوسفور
عندما غرقت في البوسفور
لم أكن أعلم و أنا أنزل مطار اسطنبول أن هذه الأيام الخمسة التي سأقضيها هنا ستكون فاصلة في حياتي ....

قدمت مع زوجي و طفلتي التي لم تتم عامها الثالث بعد لقضاء عطلة سريعة و قد ضقنا ذرعا بالتوتر اليومي، كان برنامجنا يبدو يائسا فمن يدفع ثمن التذاكر الباهظ ليقضي خمسة أيام فقط في اسطنبول الزاخرة بالمعالم و لكن بداخلي حاجة ملحة للسفر، كنت مستعدة لدفع أي شيء لالتقاط أنفاسي و أخذ فسحة قصيرة في تلك الفترة التي كان وقع حياتي فيها سريعا جدا و مرهقا جدا كان علي الابتعاد لرؤية الصورة كاملة و ترتيب أوراقي المبعثرة... رغم رغبة زوجي الملحة في تأجيل الرحلة إلى حين نكون أكثر تفرغا لكنني لم أجد نفسي قادرة على الانتظار أكثر فكان لي ما أردت وسافرنا.

 

نزلنا في فندق صغير لا يبعد كثيرا عن تقسيم ويقع في شارع خلفي أتاح لنا رؤية جانب مختلف من اسطنبول، نستيقظ صباحا على أصوات أطفال قادمة من مدرسة ابتدائية تحاذي الفندق،  فكنت استمتع بمشاهدة الصغار و هم يلعبون في الساحة أو تتبع طفل يأتي راكضا متأخرا عن مدرسته أو الاستماع  للباعة المتجولين و مراقبة الرائحين صباحا لأشغالهم، غرقت في تفاصيل الحياة اليومية تلك.

 

نتوجه إلى تقسيم لركوب المترو و كان حتما علينا أن نقضي كل يوم وقتا طويلا نركض خلف الصغيرة التي تلاعب الحمام و تأبى القدوم معنا،نحن المستعجلين دائما فلائحة الأماكن التي نود زيارتها طويلة و وقتنا كان قصيرا لكن ملاحقةالحمام في ساحة تقسيم صار من الطقوس اليومية لصغيرتي و ما كان لنا إلا أن نستجيب.

 

  أدهشتنا سهولة التنقل في اسطنبول فتكفينا  بطاقة النقل وخريطة المواصلات لنذهب حيث شئنا، كنا نقصد المدينة القديمة و نختار كل مرة طريقا مختلفة، حفظنا المواقف المهمة : تقسيم-كاباطاش ثم الى امينونو او تقسيم-ينيكابي  ثم الى بايزيد ، ننزل أحيانا في موقف متقدم لنجول الشوارع الخلفية مستكشفين اسطنبول العظيمة وكأننا صرنا من أهلها ولم نعد سياحا عابرين.

 

لم أكن من متابعي المسلسلات التركية و لذا فجعبتي من الكلمات التركية تقتصر على مرحبا و شكرا... اورهان باموك من خلال رواياته الساحرة هو من عرفني على اسطنبول و أفلحت تفاصيل قصصه في نقلي بين ماضي وحاضر المدينة، و لم استطع أن أتخيلها غارقة في القمامة تصارع ماضيها الغابر متروكة عمدا على الهامش وهو يقول "كانت إسطنبول دائما ، بالنسبة لي مدينة الخراب و سوداوية نهاية الإمبراطورية "وأنا أراها اليوم وقد صارت جنة الأرض فعلا تنافس كبرى العواصم و تستقطب الزوار من كل حدب و صوب،  هذه الخواطر تجوب ذهني و تطرح تساؤلات فلسفية كثيرة بداخلي و نحن نعبر الساحات العامة أو نجول في الحدائق البديعة، أتساءل: هل نستطيع كما استطاعوا؟ .

زرنا بالطبع الأماكن السياحية بما أتاحت لنا أيامنا الخمسة كنا نتجول طول اليوم بين القصور و المساجد أو الأسواق و المراكز التجارية لنعود قبل المغيب إلى ساحة تقسيم التي يزيدها الليل إيقاعا و سحرا فنجول شارع الاستقلال المزدحم قبل الرجوع منهكين إلى الفندق لأخذ قسط من الراحة قبل طلوع شمس اليوم التالي.

 

في آخر مساء اخترنا أن نعبر جسر غلطة راجلين لنحتفظ بأكبر قدر من الذكريات و رغم أن أمطارا خفيفة بدأت تهطل إلا أننا قررنا متابعة السير و كلينا يحمل حزن المغادرة كأننا اكتشفنا في آخر يوم فقط قصر هذه الرحلة.

 سألته و نحن نراقب السفن تعبر البوسفور بعد أن خيم الصمت علينا طويلا

-      لماذا ونحن نرسم أحلام الهجرة لم نضع تركيا على قائمتنا.

-      لست ادري...ربما حاجز اللغة.

إجابته المترددة و نظراته الحائرة إلى ماوراء الأفق أوحيا لي بأنه يسأل نفسه السؤال ذاته، فقد عزمنا منذ مدة على ضرورة الرحيل...كانت بلادنا قد ضاقت بنا، و لست أدري لم سقطت تركيا من تفكيرنا...

 

أخذنا بعدها شارعا فرعيا و سلكنا طرقا ملتوية فيها الكثير من المحلات أغلبها تبيع قطع الغيار كما أذكر و كانت تخلو تقريبا من السياح، تبين لي جليا أننا أخطأنا الطريق و لكن لم يقلقنا ذلك فرغم التجربةالقصيرة إلا أننا صرنا نعلم انه يكفينا العثور على موقف مترو أو ترام لنستطيع العودة بسهولة لذا تركنا أقدامنا تقودنا في تلك الأزقة الضيقة ونحن نتطلع في الوجوه العائدة إلى بيوتها بعد يوم عمل أو دراسة و نتابع الأطفال الذين يلعبون في الساحات أوالشيوخ الذين يتبادلون الحديث أمام طاولة لعب.

 

 يقال أن في حياة كل إنسان لحظة لا تعود الحياة بعدها كما كانت قبلها و بالنسبة لي كانت تلك اللحظة البسيطة ونحن نعبر الشارع الفرعي بين زحمة الناس هي تلك اللحظة الفارقة إذ شعرت فجأة بشعور حميمي جدا و أحسست بسكينة جميلة ملأت نفسي، كانت بذرة صغيرة قد دفنت نفسها عميقا بداخلي و أنا احلم أننا عائدان للمنزل، إحساس غريب سكن كل ذاتي  واستحضر كل حواسي لتتعبأ بذلك الجو و تخزن جيدا تلك الصورة  لتظل الذكرى تعود إلي في السنوات اللاحقة بلا أي مناسبات لتملأ نفسي بالشعور الجميل المتحرر الذي عشته في تلك الأزقة.

قد أكون منكبة على دراستي أو ألاعب طفلي الصغير أو حتى منهمكة بتحضير الطعام لأحس نفسي فجأة و كأنني هناك لا هنا أمشي في ذلك الشارع الخلفي باسطنبول ليعود إلي نفس الشعور بالاطمئنان و يغمرني كأنها عبوات عطر ترشها علي ذاكرتي كلما ضقت برائحة اليأس فتنعش روحي من جديد .

تلك البذرة نمت بسرعة لتصبح غابة كثيفة بداخلي و أصبحت بعدها لا أرى أمامي إلا اسطنبول.


13
0
4

Anonymous {{ comment.name }} {{ comment.date }}
{{ comment.text }}
Anonymous {{ sub_comment.name }} {{ sub_comment.date }}
{{ sub_comment.text }}