• انشر كتاباتك
  • احصل على آراء وتقييم آلاف القراء والكتّاب
  • طوّر مسيرتك الكتابية

سجل حسابك الآن وابدأ رحلة الكتابة!

إنشاء حساب تسجيل دخول
على قيدِ الذِّكريات
على قيدِ الذِّكريات
دخلتْ الغرفةَ بحذرٍ ، وأغلقتِ البابَ خلفَها بتؤدةٍ ، هي تعلمُ أنَّها لا تستطيعُ أن تأخذَ استراحةً في ساعاتِ العملِ الكثيرةِ ، لذلكَ فهي تسرقُ الأوقات القصيرةَ والدَّقائق ، لتفتحَ دفتر مذكَّراتِها ، وتعودَ لحياتِها الحقيقيَّة ، لتتنفَّس منْ جديدٍ وتكونَ بمثابةِ إنسانةٍ على قيدِ الحياةِ ..

توجَّهت نحوَ سريرِها ، وتلمَّستْ السّجّادة الموجودة أسفلَه ، ومن ثمّ أخرجتْ دفتر مذكَّراتٍ صغيرٍ زهريَّ اللَّون بحجم كفِّ اليد ، إلا أنَّه يحملُ همومًا أثقلتْ كاهلَها .. لطالما أحبَّت الكتابة ، ورصْد الأحداث اليوميَّة في حياتِها ، لتعودَ إليها كلَّما داهمَها الشَّوقُ ..

إلَّا أنَّها الآن ، كرَّستْ هذا الدَّفتر لكتابةِ مأساتِها

فتحتْه ، وراحتْ تستعيدُ ذكرياتِها الجميلةِ ، تلكَ الذِّكريات الَّتي تحمل عبقَ والدَيها المتوفيين وأختَها الغائبة

قلَّبتْ الأوراق بينَ يديها ، وتوقَّفت عند الصَّفحة الاولى .. كانتْ تحمل صورةً قديمةً لها ولأختِها الوحيدة والَّتي تكبرُها بسنتين

قدَّرتْ عمرَ هذه الصُّورة بأنْ تكونَ عشر سنواتٍ ، فهيَ تبدو منْ خلال الصُّورة تبلغُ سنتها الخامسة أو السَّادسة .. لم تستطِع أنْ تحبِس دموعَها ، فلقدْ أثارتْ هذه الصُّورة الفوتوغرافيَّة ألمَها ، حيثُ تظهر فيها الأختان بوضعيَّة عناقٍ حنونةٍ ..

قلَّبتْ الصَّفحة ، ونقلتْ نظرَها بين الأحرفِ

***

لطالما عشتُ مع والدي ووالدتي ( رحمهما الله )، بالإضافةِ إلى أُختي الَّتي تكبرُني بسنتين ، تحتَ سقفٍ واحدٍ ..

لكم اشتقتُ إليهم جميعًا ..!

ولقدْ كانَ يمكنُ وصفُ حياتِنا آنذاكَ بالسَّعيدةِ ، فلا يشوبُها حزنٌ ولا فقدٌ .

الى أَنْ بدأتِ الحربُ المأساويَّةُ ، الَّتي دمَّرت الكثير ، وأخذتْ بأرواحِ الكثير، شرَّدتْ ويتَّمتْ الكثير ..

فلمْ تترِك لنا مجالًا سوى الفرار منْ البلاد .. وقبلَ خروجِنا من بلدِنا العزيز بأيَّامٍ قليلةٍ ، اختطفَ الموتُ أمِّي فجأةً ، بدونِ انذارٍ ولا اشعارٍ ، وتركنا نعاني وخصوصًا والدي من حدَّة الالم ، فوحدَه اللَّه يعلمُ الكمَّ الهائل من الحبِّ الَّذي يكنُّه والدي لوالدتي

ولم تمضِ سوى أيَّامٌ أخرى قليلةٍ على مغادرتِنا أرضنا ، حتَّى تدهورتْ صحَّة والدي ، وضَعُف جسده كثيرًا ، ليتركَنا في النِّهاية يتامى كما فعلت أمِّي ..

كان يجبُ علينا أنْ نكملَ مسيرتنا ، لم نستطِع حينها أنْ نحزنَ ولا أنْ نبكي كفايةً ..

ولقدْ أعطانا - قبل وفاتِه - عنوانَ إحدى صديقاتِ أمِّي والَّتي تديرُ دارًا للأيتام في هذا البلد الغريبِ ، ظنًّا منه أنَّها ستُساعدنا .

 وبالرُّغم من كرهِنا الشَّديد لهذه المرأة وعدم ارتياحِنا لها ، إلّا أنَّ الحاجة أرغمتْنا على اللّجوء إليها

***

توقّفت عن القراءةِ ، وأخذتْ نفسًا عميقًا .. حاولتْ كبت دموعِها ولكنَّها لم تستَطع ، وتذكَّرتْ تلك الايَّام ..

 أخذ قلبُها يعجُّ بالأمنيات ، وتمنَّت لو أنَّها تستطيع أنْ تبتعد عن هذا المكان ، عن هذه البلاد ، وأنْ تعودَ هي وأختُها ليعيشا معًا في منزلهما ، حتَّى ولو تحتَ الحطام ، ستكونُ حياتهما أفضلُ من هذا الجحيم . ولكن كانت تؤمنُ أنَّ تلك الأمنيات ستبقى أحلامًا تلوح في أفق قلبها ، وأنّها لنْ تتحقَّق أبدًا

وأكملتِ القراءة :

***

كانتِ الأجواءُ غريبةٌ في الميتمِ ، فجميعُ الفتيات ها هنا عابساتٌ ، حزيناتٌ ، يائسات ، وكأنَّهنَّ نسينَ طعم السعادة ، أو أنّ الأمل هجر قلوبهنّ ونسيَ عنوانها ..! ولقد كانَ هذا بمثابةِ استقبالٍ مخيفٍ لنا ..

وما إنْ رأينا صديقةَ أمِّنا ، حتَّى ازداد ارتيابُنا ، فبملامحِها المخادعة ، ونبرتِها الغريبةِ ، جعلتني أُوقنُ أنَّه هناك من هو أشد رعبًا في هذه الحياةِ من الحرب ..!

وبالرّغم من محاولاتها التَّظاهر باللُّطف ، إلا أنَّ محاولاتها كلَّها باءتْ بالفشل

رحبَّت بنا أوَّلًا ، ثمَّ أرشدتنا الى غرفتِنا الجديدةِ

أتذكَّرُ لدى دخولنا الغرفة ، كم كانتْ أختي سعيدةً ، لا زلتُ أذكرُابتسامتَها العذبة وهي تطمئنني أنَّ كلَّ شيءٍ سيكونُ بخير ..

 لازلتُ أذكرُ عناقها لي ، ونبرتها الحنونة ، لم تعلم حينها ما كانتْ تحملُه الأيَّام القادمةُ لنا

***

وانتزعَها منْ استرسالِها في القراءةِ ، صوتُ باب الغرفةِ يطرقُ ، فأسرعتْ وخبَّأتْ دفترَها تحت السَّرير وفتحتْ الباب لتطلَّ زميلتِها ذات البسمةِ الدَّائمة الَّتي لطالما أثارتْ غيظها تناديها للمساعدة في تنظيفِ الدَّار

وتساءلتْ في نفسِها : إنها الوحيدة من تبتسم هنا ، فمن أينَ لهذه الفتاة كلَّ هذا النَّشاط حتَّى تبقى مبتسمةً ؟!

أتمَّت عملها المرهِق ، وساعدتها الفتيات في الدَّار .. كنَّ بعمرِها أو يكبرنَها بسنواتٍ قليلاتٍ ، إلا أنَّها لاحظتْ الحزن المضمر بعيناهنَّ اللَّامعة ، وعلمتْ أنَّهنَّ يعانين كما تعاني وربما .. ربما أكثر !

عادتْ إلى غرفتِها في ساعة متأخّرةٍ من اللَّيل ، بعد أنْ أتمّت أعمالها كلَّها ..

استلقتْ على سريرِها بتعبٍ ، وتناولتْ دفترَها الزهريّ من مكانِه بعد أن سمعتْ صوت شخير زميلتِها في الغرفة ، وتأكَّدتْ منْ نومِها

***

وما هي إلا أيّام قليلةٌ على وصولنا إلى الميتم ، حتّى وجدنا المديرة تدعونا لمكتبها .. كنتُ أعلم أنَّ ذلك القدر من اللُّطف المصطنع يحملُ وراءه قدرًا كبيرًا من اللّوم والخبث ..

دخلنا مكتبها ، لنجدَ عندها امرأة عجوز ، طاعنة في السن ..

كانت تظهر التّجاعيد الكثيرة على وجهها.. ونبرتها في الكلام ، جعلتني ألتصق بأختي خوفًا ، وهي بدورها عانقت يديّ بكفّيها لتعوضني عنْ حنان أمّي وأمان ابي

لم تبدأ المديرةُ بالمقدّمات كما العادة ، ولم تكسو كلامها المخيف ، رداء اللّباقة هذه المرّة ، وكشفت عن وجهها الحقيقيّ مكشّرةً عن أنيابِها

قالتْ أنّنا لا نستطيع العيش هنا ، في هذا الميتم المظلم ، بدون مقابلٍ ، وأنّنا و لنبيت هنا ونحصل على الطعام يتوجّب علينا دفع المال

وأخذتْ تلك المزعجة تسترسل في الحديث متأسّفة ، وتشرح موقفها متّخذةً دور المسكينة ..

 وأكملت أنّها وجدتْ عملًا لأختي لتسديد المال مقابل عيشنا هنا .

ولم تكتفِ تلك السّيدة الكريمة ها هنا ، بل وعرّفتنا على المرأة الجالسة ، قائلة أنّها امرأة عجوز بحاجة ماسّة لمن يهتمّ ويعتني بها

علمت بعدها ما كانت ترمي إليه ، كانت تريد جعل أختي خادمة لهذه العجوز المخيفة ..

 ولكن كلّ الَّذي فعلته حينها هو الانصات ، والوقوف مكتوفة اليدين بينما تنهمرُ علينا المشاكلُ كما تنهمر الآمال من قلبي وتخبو

كنّا نظنّ أنّنا سنجد هنا من يعوضنا عن خسارتنا الكبرى وهي فقداننا لوالدينا .. وأنّنا سنحصلُ على صدرٍ دافئٍ حنونٍ نذود ونحتمي به .. وكان والدي (رحمه الله) يحسب أننا بأيدٍ أمينة مع صديقة أمي ، وأننا سنعيش بسلام ! لكننا وجدنا هنا من يعوضنا عن أوجاع الحرب آلامًا أخرى لا تُضمّد !

ومن شدّة سذاجتي حينها، كنت أظنّ أنّنا - أختي وأنا - سنعملُ سويًّا ، سنخدم تلكَ المرأة سويًّا ، وسنعينُ بعضنا ..

ولكن في اليوم التّالي استفقت على صوتِ ضجيجٍ لأجد أختي توضِّب أغراضها ..

 أتذكّر حنان عناقها ولازلتُ أشعر الى الآن بطعم دموعها المالحة في فمي حينما قبّلتها . قالتْ بأنّنا لا نستطيع أن نبقى سويًّا ، وأقنعتني بأنّها ستأتي لمقابلتي كلّما سنحتْ لها الفرصة ، وبأنّها ستحادثني عبر الهاتف ، وسترسل لي الرّسائل الورقيّة ..

لا تزالُ الحسرةُ إلى الآن تهيمن على قلبي .. ليتني منعتُها حينذاك من الذَّهاب ، ليتني تشبَّثت بها - بآخر أمل لي في هذه الحياة ، وأصررت على الذَّهاب معها ، لكنَّني اقتنعتُ حينها بكلامها ، بابتسامتها الصّادقة ، وبعينيها المتلألئتين الحنون ووفقت ماثلة أمام فراقنا ، وخسرت بغبائي كل ما تبقّى لي من شتات عائلة في هذه الحياة ..

وكلّما مرتِ الأيّام كانت تمرّ ، وركضت الأسابيع الكثيرة وربّما الأشهر ، ولم أرى أختي الغالية ، ولم تأتي لزيارتنا .. وكانت حالي يرثى لها ، كنت ميتة في جسد حي ..

ورحت أكتب الرّسائل الكثيرة وأرسلها ، واتصلُّ بـ رقم هاتف المنزل الَّذي تقبع فيه ، ولكنَّني كنت أفشل دائمًا في سماع صوتها أو حتّى الإطمئنان على حالها

إلى أن وصلتني في أحد الأيّام رسالة ورقيّة منها تخبرني فيها أنّها بحالٍ جيّدة ، وأنّها سعيدة جدًا هناك ، ولكنّها تشتاق إلي ّ كثيرًا ..

حادثتني عن العجوز الّتي تعمل عندها ، وعن رقّتها - كما زعمت - ووصفت لي البيت الواسع وفخامته

ولكن كلّ تلك الأكاذيب لم تنطلي عليّ ، فلقد استشعرت البلل في رسالتها ولاحظت الدموع الّتي ذهبت بلون الحبر الزاهي ، وأحسست باهتراء الورقة ..

 وعلمت أنّها تبكي ، أنّها تتألّم .. أنّها ليست سعيدة كما تزعم ولكنها تتظاهر بكلّ هذا ..

رددت برسالة سريعة لها ، دعوتها للقدوم الى الميتم ، ذكرت فيها أنّني مريضة وأنّني بحاجة ماسّة لرؤيتها

 ولكن في الحقيقة لم أكن أكذب عليها ، فقد كنت متعبةً حقًّا ، وروحي عليلة ..

ردّت بعد يومين برسالة تدعو بها لي بالشّفاء العاجل ، وعن فرحها الكبير برسالتي ، وقالت أنّها ستحاول أن تأتي في أقرب وقت تسنح لها الفرصة.. إلا أنّني تحسّست دموعها المالحة الغزيرة من رسالتها البالية أيضّا ..

وهنا ، لم أعد أستطيع أن أخدع نفسي أكثر بالأكاذيب .. كنت أعلم أنَّ مكروهًا ما قد أصابَها ، ولكن لم أستطع – وربّما لم أقوى – على التنبؤ بحالها

ألححتُ حينها على المديرة ، وحاولت إقناعها بأن تتركني أقابل أختي ، بأن تدعني أذهب لزيارتها .. وبالرّغم من شدّة إلحاحي وعنادي ، كان قلبها أشدّ قسوة ، ورفضت ، لتحكم على أملي بالاعدام قبل حتّى أنْ يُولد !

مرّت الأيّام تلوى الأخرى ، كنت لازلتُ أراسل فيها أختي ، وأتحسَّس الألم في رسائلها

الى أن جاء اليوم المرتقب وجاءت أختي لزيارتي ..

وحينما قابلتها ، هرعت إلى حضنها وغمرتها بقوة لتبادلني هي الأخرى العناق .. هطلت الدموع الغزيرة من عينينا ، وبقينا على حالنا لدقائق متشبّثين بأحدنا الآخر .. كنت أسمع نحيبها وبكاءها ، وأضغطُ عليها وأبكي بصمتٍ ...

 وكانتِ الفاجعةُ هنا ، عندما تركتُ حضنها ، حيث لاحظت البقع البنفسجيَّة المتفرّقةَ في أنحاء وجهها ويديها ..

 ولم أستطع أن أتماسك أكثر ، فخارت قواي ، وانفضح ضعفي الَّذي كنت أستره ، وبدأ نحيبي ، فقد عرفت الآن سر معاناتها ودموعها - سرّ الرّسائل المبتلّة الَّتي تصلني منها -

قالت لي بأنّ تلك العجوز كانت تضربها ، لأنّها ألحّت عليها بالمجيء لزيارتي هنا وامتنعت عن خدمتها ..

وانفجرنا سويا بالبكاء ، كل منّا تخفف عن الأخرى ما تعانيه

 أخذتُ كفّيها ورحت أقبّل البقع التَّي شوّهت يديها الجميلين ، متأسّفة لها عن ظلم هذا العالم

 دعوتها ، وحاولت إقناعها بأنْ نعيش معًا هنا، وبترك العمل إلا أنّها رفضت.. كنت أعلم أنّها تشعر بالمسؤولية تجاهي ، وأنها تحقق وصيّة والدي وهي الاعتناء والاهتمام بي .. وكلّ ذلك كان على حساب نفسها وجسدها !

ولم تطل زيارتها يومئذٍ كثيرًا ، حيث جاءت المديرة تناديها للذّهاب ..

 أتذكّر حينها تشبثي بها ، مقاومتي ، صراخي ودموعي .. ولكم تمنّيت أن أحميها من هذا العالم .. كنت أشدّ قبضتي عليها، وأقاوم الأيدي الّتي أخذت تستلّها ، وتنتزع قلبي من بين أضلعي !..

أما هي فقد كانت مستسلمة ، وشاردة .. وكأنّها كانت تعلم أنّه لا مهرب ممّا سيحدث !

 وانتزعوها مني كما ينتزع الموت الأبناء من أحضان أمهاتهم ، وأخذوا بها تاركين اياي جسدًا بلا روح

لكم كان يصعب علي أن أتركها تذهب ، وأنا أعلم علم اليقين ، أن حياتي في غيابها لن تضحي حياة !

كلّ الذي تمنيته آنذاك ، أن أعيش أنا وأختي معًا ، وأن نحيا بسلام كما الآخرين .. إلا أنّه ، كان أمرا مستحيلا !!

ورأيتها تصعد السّيارة مع تلك العجوز البغيضة والسّائق ، كانت عيناها متشبثتان بي ، وعيناي أيضا ..

وانطلقت السيارة مصدرة صوتًا مزعجًا ، وكأنّها تستهزأ بفراقنا .. وأخذت تلتهم الطّريق ، مضاعفة المسافة بين قلبينا اليتيمين !

***

أقفلت الدفتر بهدوء ، وأغمضت عينيها المتعبتين من كثرة الدّموع ..

منذ مدّة قصيرة ، أخذت ترى أختها في المنام ، رأتها تبكي وتتعرّض للضّرب ، وكانت ، هي ، تقف كما في الواقع ، مكتوفة اليدين أمام ضعف أختها ..

 كانت تشكو لها وتهذي بالكثير من الكلام ، وتقول لها أنّها لم تعد تستطيع التّحمل ..

ولقد رأت ذلك الكابوس عدّة مرّات

 منذ ذلك الوقت ، أخذت ترسل لأختها رسائل كثيرة لتطمئنّ عليها

إلا أنّها لم تحصل على أيّ ردّ منها

إنَّ هذا يخيفها جدًّا ، أن تكون أختها قد ترك....

ولم تشعر بنفسها ، وقد غطّت في نوم عميق

...

هرعت من سباتها ، والعرق يتصبّب من رأسها ..

لقد رأت ذلك الكابوس المرعب مرّة أخرى .. ألقت نظرة على السّاعة المثبتة بأعلى الحائط لتراها قد تجاوزت الرابعة صباحًا

تحسّست الوسادة أسفل خدّها الأيمن ، لتجدها رطبة ، من المؤكد أنّه من لعابها ، أو ربّما قطرات من دموعها ، أو لعلّه مزيج من كليهما .

أخذت قرارها سوف تذهب الى اختها ، وستنقذها من تلك العجوز البغيضة وتفرّ وإيّاها إلى حيث المجهول ، وحينها ستعيشان معًا وبسلام ..

وضّبت أغراضها القليلة : دفتر مذكّراتها ورسائل أختها

وقبل خروجها من الغرفة ، لاحظت جسدا غريبا ذو عينين لامعتين يجلس على سرير زميلتها في الغرفة

قفز قلبها ، وارتعبت .. ولقد انطفأ خوفها عندما علمت أنّ هذا الجسد هو نفسه جسدُ زميلتها ..

 كانت تنظر إليها بصمت بينما ترتجف .. ورغم الظلام ، إلا أنّها لاحظت غشاء رقيقًا يغطّي عينيها

سمعتها بصعوبةٍ تردّد : أأختك توفيت ..

رفعت حاجبيها متعجّبة ، وبعد تفكير طويل ، أخذت ترتجف هي الأخرى بخوف ، وراح نبض قلبها يزداد

وشعرت بالدّموع المالحة الحزينة تحرق خدّيها ، وبغصّةٍ مؤلمةٍ تستقرّ في حنجرتها .. وقفت مذهولة شاردة ، مصدومة .. ومن ثمّ خرجت من الغرفة راكضة .

وراحت الأفكار الكثيرة تتدفّق إلى رأسها ..

 أتقول تلك أنّ أختها توفيت ؟! ما أغباها !

من المؤكد أنّ أختها لن تتركها لوحدها في هذه الحياة المظلمة وستحقّق وصيّة والدها بالاعتناء بها .. وراحت تضحك بهيستيرية

أكملت طريقها نحو بوابة الدار ، وأخذت تتسلق القضبان الحديدية - قضبان ذلك السجن الذي اعتقلت فيه لمدة طويلة بعيدا عن الحياة .. وكان لحسن حظّها ، أن لم يستيقظ حارس البوابة على صوت قهقهة ضحكتها .. لا بل كان من حسن حظه هو ، أنّه لم يره تضحك كالمجانين ، وإلا لكان فقد عقله

وما إنْ تعدّت حدود دارِ الايتام ، حتّى استفاقت لم حدث معها

لقد فقدت والدتها ثمّ والدها والآن شقيقتها

لقد خسرت كل شيء في هذه الحياة ! ولن تستطيع أن تكمل مسيرتها لوحدها .. كل ذكرياتها مع والدتها الحنون ، والدها الغالي وأختها الوحيدة ، ستودع في صندوق الماضي ..

ستمتنع السعادة الآن عن زيارة قلبها ، وسيستوطنه اليأس الى الأبد

أخذت تمشي بتأنّ ، مدارية رجليها المكدودتين وقلبها المفطور ، فـتخالها ثابتة من بطء حركتها ..

شعرت فجأة بقطرات الماء النديّة تتساقط عليها لتختلط مع دموعها المالحة وتمنع عنها الرّؤية

وفي غمرة يأسها تلك لم تلقي بالًا للسّيّارة الّتي كانت تتّجه نحوها بسرعة جنونيّة

وعلى حين غرّة ارتطمت بها بقوة ، فاذا بها تارة تطير في الهواء، ومن ثم تهوي على الأرض بعنف ..

نزف الدّمّ من رأسها بغزارةٍ ملوثًا وجهها الجميل ، واجتاح الألم قلبها.. كانت تتنفس بصعوبة ، ها هي الآن تلفظ أنفاسها الأخيرة ، وتحتضر !...

هرع سائق السيارة المسكين نحوها بعد أن سمع صوت اصطدام صاخب ، وتفاجأ بها ، جثة هامدة ملقاة على الأرض

حاول ايقاظها ، ولكنّها لم تستجب .. هزّها بعنفٍ لكن بلا جدوى . كانتْ قد فاضت روحها إلى خالقها ..

 وإذا بتلك الاوراق الغالية قد أُتلفت ، بعضٌ منها قد طار بالهواء مودعًّا ، وأخرى تبلّلت بالمياه الغزيرة ، لتضحي تلك الصّفحات وصاحبتها مجرّد ماضٍ يُذكر ..!





*آلاء الحجيري*


4
0
0

Anonymous {{ comment.name }} {{ comment.date }}
{{ comment.text }}
Anonymous {{ sub_comment.name }} {{ sub_comment.date }}
{{ sub_comment.text }}