• انشر كتاباتك
  • احصل على آراء وتقييم آلاف القراء والكتّاب
  • طوّر مسيرتك الكتابية

سجل حسابك الآن وابدأ رحلة الكتابة!

إنشاء حساب تسجيل دخول
5 درجات تحت الصفر
5 درجات تحت الصفر
Google+
عدد الزيارات
443
حارس ليلي يعتقد أن هذه ستكون ليلة عمل كباقي الليالي، لكن الأمور ستأخذ منحى غير متوقع فهل سيتمكن من النجاة بحياته.

دخلت المكتب وفي يدي كأس عصير برتقال بارد تطفو وسطه قطع من الثلج، تتصادم فيما بينها كلما خطوة خطوة نحو المكتب حيث ستبدأ نوبتي الليلية في الحراسة. صادفت السكرتيرة وهي في طريقها إلى الخارج بعد انتهاء الدوام.

’مساء الخير يا عم نبيل. كيف حالك؟’ حيتني بابتسامتها ولباقتها المعهودة.

’ بخير يا بنيتي، ليلة أخرى من العمل المعتاد.’

’ أعانك الله يا عم نبيل. بالمناسبة، لقد حدثني فاروق للتو على الهاتف واعتذر عن الحضور. يبدو أن أمه مريضة وتحتاج للذهاب إلى الطبيب وعليه مرافقها. لم أستطع إخبار حارس أخر لكي يحل مكانه.’

’ لا بأس في ذلك فأنا وحدي أكثر من كافٍ.’

لم تكن هذه الليلة الأولى التي أقضيها لوحدي في العمل طوال العشر سنين التي قضيتها كحارس ليلي. لم يسبق أن تعرضت لأي موقف خطر يهدد حياتي، لذلك لا مشكلة لدي في العمل وحدي هذه الليلة.

دخلت البناية وأغلقت الباب الرئيسي من ورائي قبل أن أجلس في حجرتي حيث توجد شاشات حراسة لمراقبة المكتب وثلاجة صغيرة وجهاز تكييف. ارتشفت من عصيري البارد وأنا أراقب المكتب الصامت عبر الشاشة وقد غابة عنه جميع أشكال الحياة، صامت كمقبرة في منتصف الليل.

عملي روتينيٌ بامتياز، أقوم بجولة تفقدية أتأكد فيها من خلو المكتب ومن أن جميع الأبواب مغلقة وكل شيء في مكانه ثم أعود بعدها إلى حجرتي. بعد ثلاث ساعات تقريبا، أي عند الثانية بعد منتصف الليل أقوم بجولة ثانية قبل انتهاء نوبتي عند الساعة الثامنة صباحا. هذا المكتب هو مكتب مساعدة تقنية عبر الهاتف وأغلب زبنائه من خارج البلد لهذا أوقات العمل أطول من المعتاد قليلا.

جلست أراقب الشاشات حتى انتهيت من عصيري، حينها أخذت مصباح الجيب لأبدأ جولتي التفقدية الروتينية. صعدت إلى الطابق الأول وتفقدت جميع المكاتب فيه في تؤدة قبل أن أنتقل إلى الطابق الثاني. فور أن وصلت إليه أحسست برعشة برد قاسية وعنيفة تسري في أنحاء جسمي، لابد أن درجة الحرارة هنا أقل من خمس درجات!

توجهت بسرعة إلى جهاز التكييف وأنا أضم نفسي بين ذراعي حتى أحافظ على حرارتي، لابد أن أحد موظفً مهملاً قد نسي إطفاءه قبل خروجه. لكن وبشكل مفاجئ وجدت جهاز التكييف مطفئ. أخذت أتفقده بعناية بحث عن تسرب قد يفسر فارق الحرارة الشاسع لكنني لم أجد أي شيء، مصدر الحرارة بكل تأكيد ليس من المكيف. في تلك اللحظة هبت ريح باردة تصلب على إثرها شعر رأسي واستدرت إلى مصدرها في خوف، لكن المكان كان خاليا! وجميع النوافذ مغلقة! بدأت أقلق وأتوتر من سلسلة الأحداث المريبة هذه، لكنني ظللت أردد في نفسي أ، هناك تفسيرا لكل هذا وسأجده في النهاية لأضحك على غبائي ورحابة خيالي.

توجهت في عجل إلى حجرتي حتى أكلم المسؤول وأخبره بالمشكلة. أسرعت في خطواتي وبالي غير مرتاح بسبب كل هذه الأحداث الغريبة رغم محاولتي إقناع نفسي بغير ذلك. دخلت الحجرة وأغلقت الباب ورائي في الحال ثم أخذت الهاتف وأدخلت رقم السكرتيرة. ظل الهاتف يرن لبضع لحظات قبل أن تجيبني.

’ أهلا عم نبيل. هل هناك من مشكلة؟’

’ ألو، هناء. هناك مشكلة!’

’ ما الأمر؟ لصوص أم ماذا؟’

’ لا لا يوجد لصوص. درجة الحرارة في الطابق الثاني منخفضة جدا ولا أعلم مصدر المشكلة.’

’ الحرارة؟ لابد أنه المكيف مرة ثانية. سأرسل محسن ليعالج المشكلة. لا تقلق فهو يسكن بالشارع المجاور لهذا لن يتأخر.’

’ لا المشكلة ليست من المكيف. هل تسمعينني؟’

انقطع في تلك اللحظة الاتصال ولم أتمكن من إعادة المكالمة رغم محاولاتي. نظرت إلى شاشات المراقبة لأرى ما لم يكن في الحسبان، فتاة تقف وسط الردهة في الطابق الثاني، بالقرب من المكيف. لم أتمكن من تمييز ملامحها لبعدها عن الكاميرا لكنها كانت تقف بالقرب من المكان الذي كنت فيه قبل لحظات. اعتراني غضب عارم في تلك اللحظة حين أدركت أن هذا ليس سوى مقلب سمج من مراهقة متطفلة. اندفعت إلى الطابق الثاني بسرعة وأنا أعتصر الكشاف في يدي وأتوعد تلك المتطفلة بعقاب شديد. فتحت الباب بقوة حتى ارتطم بالحائط، لكنني لم أتحرك من مكاني، فأنا لا أريدها أن تستغل غضبي وانفعالي كي تفلت مني. أغلقت الباب ورائي ثم أقفلته بالمفتاح وبدأت البحث عن تلك المزعجة. كان المكان معتما بالكامل لدرجة أني لا أرى سوى ما يضيئه ضوء كشافي. رحت أمرر دائرة الضوء ببطء في أرجاء المكان بحثا عنها. فجأة لمحتها قرب النافذةـ تقف ورأسها مطأطأ إلى الأرض وظهرها يقابلني. لابد أنها خافة وأدركت أنها في ورطة، لكنها لن تفلت مني من دون عقاب. تقدمت نحوها بخطوات واثقة حتى وصلت إليها وهززتها بالمصباح.

’هيه أنتِ، ماذا تظنين أنك فاعلة.’ لم تلتفت إلي لكنها بدأت في البكاء بصوت خافت تزداد حدته شيء فشيءً. هززتها مرت ثانية بالمصباح وفور أن لمسها حتى بدأ يتجمد بسرعة. ألقيت به من يدي وسقط على الأرض قطعة ثلجية. انقطع الضوء ومعه انقطع صوتها. أخرجت من جيبي عود ثقاب لأرى أين ذهبت قبل أن تختفي ثانية. ما أن أشعلته حتى وجدت وجهها الشاحب الخالي من الأعين كالقناع ينظر إلي عن كثب! حينها أطلقَت صرخةً مخيفة خضتني وانطفأت الفتيلة معها.

سقطت على الأرض بقوة حتى أفلت أعواد الثقاب على الأرض. نهضت في فزع أتحسس الأرض بيدي باحثا عن أعواد الثقاب لكنني لم أجدهم. فجأة بدأت درجة الحرارة في الانخفاض بشدة. بدأت أتراجع إلى الوراء هربا منها حتى اصطدم ظهري بالحائط قرب الباب. قفزت حينها إلى مقبض الباب بسرعة كي ألوذ بالفرار لكن دون جدوى. المفاتيح! لقد نسيت أني أغلقت الباب عند دخولي. أدخلت يدي بسرعة في جيبي لكني لم أجدهم، لابد أني أسقطهم حين أسقطت أعواد الثقاب. استسلمت حينها وجلست في مكاني أرتعد من البرد وأدعو الله أن ينجيني من هذا الموقف المرعب.

فجأة، من الجهة الأخرى من الغرفة، سمعت خطوات رقيقة قادمة نحوي. كانت خطوات بطيئة أسمع معها صوت أشبه بصوت الحفيف، ومع كل خطوة كانت درجة الحرارة تقل أكثر فأكثر. لا أعلم ما الذي سيقتلني، البرد أم تلك الغولة!

ظللت أرتجف دون حول ولا قوة وأعيني مغمضة غير قادر على فتحهما أنتظر أجلي وهلاكي المحتوم حتى صارت على بعد خطوتين او ثلاث تقريبا مني، حينها وبعدما فقدت الأمل كليا، سمعت الباب يفتح ونور الردهة أضاء المكان!

قفزت من مكاني باتجاه الباب لأرى محسن يبحث عني مستغربا من الذي يحصل. خرجت بسرعة حتى وقعت على الأرض. التفت إلى محسن لأحذره منها حتى يغلق الباب بسرعة. حاولت لكن الكلمات أَبت مغادرة حلقي من شدة ارتجافي وخوفي. رأيتها تمد يديها الشاحبتين الوحشيتين وهي تمسكه من عنقه وتجره إلى الداخل، كان أخر ما رأُيته هو وجهه المرعوب قبل أن يسحب إلى أعماق الجحيم.

أمسكت مقبض الباب محاولا فتحه بكل ما تبقى لي من قوة لكن دون جدوى، اتصلت بعدها بالشرطة وحين قدموا وكسروا الباب لم يجدو شيءً غير طابق شديد البرودة، وجثة محسن متصلبة ومتجمدة تبدو عليها علامات الرعب. أخبرتهم بكل شيء أعرفه لكن التحقيقات لم تتوصل إلي أي نتيجة.

منذ ذلك اليوم وأنا لا أستطيع النوم دون تخيل الرعب الذي شهِده المسكين قبل وفاته.


3
0
0

Anonymous {{ comment.name }} {{ comment.date }}
{{ comment.text }}
Anonymous {{ sub_comment.name }} {{ sub_comment.date }}
{{ sub_comment.text }}