• انشر كتاباتك
  • احصل على آراء وتقييم آلاف القراء والكتّاب
  • طوّر مسيرتك الكتابية

سجل حسابك الآن وابدأ رحلة الكتابة!

إنشاء حساب تسجيل دخول
22! ضيعانو كيف مرق العُمر.
22! ضيعانو كيف مرق العُمر.
في الحقيقة لطالما كان العُمر مُجرد رقم؛ نعمل على إضافته كُلّ عام في ذكرى الميلاد، إلّا أنه في لحظة يتوقف عن كونه رقم، يصبح عبارة عن حقل من التجارب سلسلة من الأخطاء لوحة عظيمة لتأمل الحكمة التي تجنيها من كُلّ موقف، والعبرة من كلّ أمر سيء أو محرج، مغزى ودافع كُلّ شيء!

إنّ المرء مع تقدمه بالعُمر يشعر كما لو أنّ الحياة كانت على الدوام دوامة، وموقعه في هذه الدوامة الدوران بلا توقف، في كُلّ دورة مرحلة ألم ومكابدة، وفي كلّ ضيّاع سنوات من الكدر لا مرحلة وانقضت.

لا يسع الإنسان أن يكون جاهلًا، فهو مُلزم بالمعرفة، مُطالب بالإدراك، أن يُفتش عن معنى أن تحيّا لا أن تقضي حياة وبضع أنفاس والقليل القليل من اللّحظات السعيدة. لحظات السعادة التي لا تأتي إلّا مباغتة وعند رحيلها تُدرك أنها لن تعود، وأنها لحظة ككُل لحظات العُمر التي تأتي على غفلة وترحل. ليس من الصواب أن تقضي هذا العُمر بضجة، ضجة بالأحداث والاختيارات، ضجة في عمق البحث عن الشيء الذي ستكونه وتُمضي عُمرًا كاملًا في إتقانه والولوج داخله لتصبح جزءاً منه، من الصواب أن تقضي العُمر متيقظ ومنتبه لكلّ كلمة وحدث وفعل وأمل، أن لا تُصيبك لحظة الغفلة بمقتل، أن تكون جاهلًا فهذا ليس مبرر للخطأ!

كبرتُ على جملة أن الزمن يشفي كُلّ شيء، كُلّما مرّ الزمان، مرّ تأثير اللحظات، فأنظر للخلف، كيف يختفي أثر الفرح والحزن، تبقى الذكريات لكن الشعور بها ينحدر إلى أن يصبح ابتسامة باهتة على المُحيّا. أسوأ أسى يمكن للمرء أن يحيا به، هو أن يغيب ما تشعر به لحظة الحدث، وتشعر به فيما بعد، أقوى. وهذا ما يتأخر عنه الزمن، هذه اللحظة التي ترغب في أن تنقضي وتختفي، فيتعطل مفعول الزمن ولا يأتي بل يتأخر إلى أن ينتهي العمر.

كُلّما تقدم المرء بالعمر طالت قائمة الحكمة وقلّت قائمة الأحلام، كأنّ العلاقة بين العُمر وقوائم الأحلام طردية، فهي تدرك الواقع تباعًا، في كلّ لحظة تُدرك أن جبعة الأمنيات لا مكان لها في حياة يُشكل الخداع والكذب والزور بُنيان أساسها. لكن ينبغي عليك أن تتكيف مع كُلّ هذا، علمتني الحياة أن سبب ما تعانية الأرض من أوضاع سيئة وحرب، لا يعود ذنبه على قاتل أو كاذب أو سارق، بل ذنب من قُتل وسُرق وكُذب عليه، لكن حتى في أسوأ المحن يبلغ الإنسان مبلغ اليقين في اضطرابه، وإن أدرك ذنبه في اضطراب فعله، سيهوّن الكثير من همّ هذه الأرض..

في كلّ لحظة يُحاول الفرد أن يجعل من عمره الجديد، عمرًا ذهبيًا للإنجاز والانطلاق، كانت سعته أقل من حقيبة حُلمه، ذلك أن المرء لا يسعه أن يدرك ماذا سيفعل مقبل أيامه، فهو لا يملك إلا حياة واحدة، وكل مرحلة تنقضي تصبح حياة منقوصة لا حياة كاملة!

أُحبّ وصف ميلان كونديرا للألم، أُحبّ تعظيمه للألم وإهماله لفكرة الوجود "أفكر، إذن أنا موجود، ذلك قولُ مثقفٍ يُسيء تقدير قيمة ألم الإنسان. أنا أحس، إذن أنا موجود، تلك حقيقة لها قوة أكثر عمومية بكثير و تخص كل كائن حي. لا تتميز أنايّ عن أناكم بالفكر بشكل أساسي. هنـاك بشر كثيرون و أفكار قليلة. إننا إذ ننقل أفكارنا أو نقتبسها أو يسرقها أحدنا من الآخر, نفكر جميعنا بالشيء نفسه تقريبا. أما حين يدوس شخص ما فوق قدمي، فأنا وحدي من يحس بالألم. ليس الفكر هو أساس الأنا، بل الألم، أكثر الأحاسيس أولويةً.
في الألم لا يمكن للقطة أن تشك بأناها الفريدة و غير القابلة للتبديل. عندما يصبح الألم حادا, يتلاشى العالمُ و يبقى كل منّا وحيداً مع نفسه. الألم هــو المدرسة الكبرى للأنانية".

سأرحل في أحد الأيام، لا أعرف متى، رُبما في تشرين الثاني في الشهر الذي وُلدت فيه، رُبما في آذار رُبما ديسمبر، إلا أنّي سأحل، وأنا أعلم أنّ ستون سنة غير كافية لفهم لغز الحياة، ولا آلاف العقود، فالحياة كتاب يصعب أن تنتهي منه وتركنه جانبًا، إنها صفحة تُعيد قراءتها في كُلّ لحظة تطبق فيها المعارك على عقلك، عندما أُدرك لحظة اليقين، لحظة الموت الحقيقية، سأُدرك ما لم أُدركه في هذه اللحظة، لحظة الكتابة هذه، سنُدرك جميعنا، يومًا ما، أنّ الحياة أعمق من تصوّرنا، وأننا كُنّا نقتات على شبه حياة، ونعوّل على القليل من لحظات السعادة، ونحتمي وراء جُدران هشة، سندرك أن كُلّ ما فينا كان عرضة للتغيّر، لكن المكابرة منعت تلك الروح من التجديد، سنمتنع عن الإيمان بديمومة اللحظة، ديمومة المرحلة، في اليوم الذي سأرحل فيه، سأُدرك أنْي لهذه اللحظة في العام الثاني والعشرون من عمري عشتُ في عش غراب وأعيش مثل غريب في حياة كان من المفترض أن أضع حدودها وعوالمها بيديّ!

لكلّ منا عمر يدرك فيه أنه لم ينجز الذي رغب فيه، وليس هنالك أمل أن يحقق ما تمناه، لكنه بالتأكيد سيشعر بالندم حيال كل لحظة لم يكن يعبر فيها عن ذاته، كل لحظة كان بإمكانه أن يجعلها أصدق، أن يستمر فيها ويُغيّر بقية عمره بعدها، هُنالك عُمر معين يصله كُلّ منّا خالي الوفاض إلّا من حسراته ومعجزاته، في كُلّ عُمر هنالك غصّة، وهذه ليست نبوءة، ولا يقين بغصة سيُدركها العالمين، إنها تأشيرة العبور في هذا العالم،. قائمة من منعطفات العُمر، متاهة، إن لم تعلم كيف تخرج منها بإدراك؛ حاصرتك وكنت فيها لآخر العُمر.

هُناك نهاية، للحبّ نهاية، للحياة نهاية، للقصة نهاية، للحكاية نهاية، للأمل نهاية، للحزن نهاية، لليأس نهاية، ومن يبحث عن اللانهاية، عليه أن يُغمض عينيه ويغرق في أبدية اللانهاية وسرمدية الشعور الكاذب.

كنت أُريد أن أُكمل الكتابة هُنا، لكن للكتابة أيضًا نهاية.. 


4
0
0

Anonymous {{ comment.name }} {{ comment.date }}
{{ comment.text }}
Anonymous {{ sub_comment.name }} {{ sub_comment.date }}
{{ sub_comment.text }}