" زقاق المدق " .. أحدي أزقة عالم نجيب محفوظ الموازي
" زقاق المدق " .. أحدي أزقة عالم نجيب محفوظ الموازي
Google+
عدد الزيارات
197
عالم نجيب محفوظ .
نجيب محفوظ من الكتَّاب الذي يخلقون لأنفسهم عالم موازي كامل ، تتناثر قطعه في أنحاء كُتبه ، رواية وراء أخري و مجموعة قصصية تكشف جزء من هذا العالم المُتكامل .

تستطيع كتابة رواية ذات شخصيات تحمل أبعاد لا بأس بها و فكرة مُتقنة بقليل من الجهد ، لكن من الصعب أن تخلق عالم موازٍ كامل من منظورك ، و نجيب محفوظ بالتأكيد صنع عالم محفوظي النظرة . 

زُقاق المدق ،رواية اجتماعية ذات بُعد فلسفية نفسي ، تحكي القصة عن زقاق المدق أحد أزقة الحسين و مجموعة من الشخصيات التي تربطهم الجيرة و القرابة و بعض الشخصيات المساعدةالخارجية .

حارة فقيرة ،شخصيات مرسومة بحرفية ، قصص اجتماعية متشابكة في خيط رصين ، مع نظرة محفوظية بحتة، لمسات فلسفية ، لمسات كوميدية سوداء و شخصيات مجنونة ، و مواضيع كانت و لازلت تُعد تابوهات في الأدب المصري .

"حميدة هي المُجرمة الأصلية ، ألم تفر معه ؟ .. ألم تستسلم له .. أما هو فماذا نؤاخذه به ؟ .. فتاة أعجبته فغواها .. وجدها سهلة فنال منها وطره ، و أراد أن يستغلها فسرحها في الحانات ، هذا لعمري رجل حاذق ، و بودي لو أفعل مثله حتى تنجاب عني هذه الأزمة التي أكابدها . حميدة المُجرمة يا صاح " .

ما يُميز شخصيات محفوظ ليس حرفية رسمها و الاهتمام بأدق تفاصيلها من الشكل الخارجي للجسم وحتى النفسية ، أفكارها و طباعاتها و التغيرات المحورية التي تمر بها ، ما يميز شخصياته هو تقليديتها ، كونها شخصيات حية ملموسة ، مصرية بحتة و تستطيع بسهولة أن تجدها حولك حتى مع مرور هذا الزمن علي الرواية .

حميدة :الشخصية الأكثر جدلًا و تناولًا في السينما و الأدب الاجتماعي ، الفتاة الفقيرة اليتيمة الطموحة ، الأنانية التي ترغب في حياة أكثر تحررًا و رفاهية ، و المُعالجة الواقعية التي انتهجها لمسار الشخصية .

إضافة إلي تركيبة حبها للتسلط و العنف و السيطرة و كره للزقاق لما يحمله من رمزية للفقر .

المعلم كرشة :الشخصية المصرية الشاذة جنسيًا ، أعتقد أن نجيب محفوظ هو أول كاتب مصري في الأربعينيات يكتب عن تركيبة شخصية كتلك ، علي الرغم من أن الشخصية لم تأخذ مساحة واسعة أو معالجة كبيرة ، إلا أنها شخصية واقعية حتى متغيراتها و انفعالاتها واقعية.

عباس الحلاق الساذج حسن النية ، حسين الناقم المتمرد علي الزقاق و أبيه و نفسه ، الست سنية عفيفي العجوز صاحب البيت المكنزة للمال الباحث عن زواج بشاب ، سليم علون المهموم الحائر بين فحولته و شيخوخته ، حسينة الفرانة الخشنة  و زوجها الضعيف جعدة  .. و رضوان الحسيني صاحب الوجه المورد المُبتلي و الصابر علي ابتلاءه .

الشخصيتين الأكثر جدلًا في الرواية ، زيطة المتشرد صانع العاهات صاحب الفلسفة إبليسية ، والدكتور بوشي طبيب الأسنان بالفطرة و الفهلوة دون دراسة أو علم ! .. نهايتهما والفكرة حول نبش القبول و التبريرات الواهية التي يلاقنها كلا منهما لنفسه .

حتى الشخصيات الثانوية كزوجة المعلم كرش و الخاطبة التي تولت تربية حميدة بعد وفاة والدته ، عم كمال صاحب محل البسبوسة ، الشيخ درويش مجذوب اللغة الإنجليزية الفصحى و حكايته الطريفة الشائبة بالكوميديا السوداء للتعليم في مصر ، سوسو مدرب الرقص الشخصية المشهورة و المتواجدة في مصر ، و حتى إبراهيم فرج مدير مدرس العُهر " القواد" على الرغم من قلة الاهتمام بفلسفته و أساس شخصيته علي حساب تحليل تصرفاته وانفعالاته مع حميدة إلي أن ذلك أكد مادية شخصيته و كأننا اقتحمنا حياته مع حميدة في منتصف ممارسته لها ! .

"أقبح بكلمة حب إذا ندت عن فم مملول " .

المعالجات الكثيرة للشخصيات و مشاكلهم سببت نقص للرواية ، ربما لأن الحكاية منذ منتصفها أو فيما قبله انحصرت في خط حميدة الدرامي و الأحداث المُتلاحقة لحياتها عُقب سفر عباس و ظهور إبراهيم فرج ، و علي الرغم من عبقرية منولوجات حميدة الداخلية و نهايتها وبناء شخصيتها المميز ، لكن هذا بتر نهايات الشخصيات الأخرى التي حازت علي مساحةأكبر في بداية رواية ، و أصبحت نهاياتها جُمل عابرة كخبر لأخر أحداثها كشخصية "الست سنية عفيفي و حكاية زوجها " ، الخاطبة بعد اختفاء حميدة وحكاية المعلم كرشة و الشاب ! علي الرغم من تأكيد محفوظ علي أن الزقاق يعود في مطلع كل نهار لسابق عهد و كأن ما حدث أمس لم يحدث .

الأكثر تميزًا هو أن زقاق المدق نُشرت عام 1947 ، كاتب عربي نشر عن المثالية الجنسية و نبش القبور و الدعارة بمنتهي الاجتماعية و دون أي هياج أو تكلف أو مشاهد تستدعي الاشمئزاز ، دون خوف أو قلق من تابوهات المجتمع المصري و تمسكه بجعجعة الحديث ! .

كأن قارئ الأربعينات يستطيع استيعاب تلك المشكلات و القراءة عنها و الإقرار بوجودها .

و ربما يمتاز أسلوب نجيب محفوظ بالتضخيم ، السرد و التحليل و الاهتمام بالتفاصيل لدرجة قد تجعل الملل يتسرب أحيانا في بعض الفصول ، إلا أن أعتقد أن السبب هو أنه لا يجب القراءة المتتابعة لنجيب ، الحل الأمثل هو تناوب قراءة الرواية علي أيام كي تستطيع استيعاب كُل قطعة .. أحيانا التضخم يفقدك استمتاعك بباقية الوجبة ، للذيذتها و ليس لقلة جودتها .

المدق و السينما :

تحول زقاق المدق لفيلم عام 1963 ، و رغم أن الشخصيات لا تشبه تكوين الشخصيات الخارجي الذي رسمه محفوظ إلا أنها توليفة مميزة ، إلا أن المخرج و كاتب السيناريو اختزل الراوية في قصة حميدة و عباس الحلو العاطفية و اكتفى بالمرور حول شخوص الرواية الأخرى دون تحليلها أو الاهتمام بحبكاتها إلا من بعض لقطات سطحية قصيرة يغالبها ضحالة التناول و كوميدي ضعيفة .. و ربما هذا يرجع لنهج حسن الأمام التجاري الخفيف الذي لا يناسب رؤية محفوظ و علي الرغم أيضا من تميز شادية في دور حميدة و يوسف السباعي في دور إبراهيم فرج و توفيق الدقن في دور زيطة .

كما تحولت لفيلم مكسيكي عام 1995 " Midaq Alley" بطولة سلمي حايك ، و هو الفيلم الذي لمح نجيب محفوظ بأنه الأقرب لفكره ،لاهتمامه بكافة الشخصيات و توضيح حكاياتها دون استحواذ قصة حميدة و عباس و إبراهيم علي معظمه .

 زقاق المدق أحدي حارات عالم محفوظ ، زقاق مثير للاهتمام و يستحق المكوث فيه لبضع أيام و الاستماع لحكايات قاطنيه .

التقييم

9/10

 

 


اترك أثراً للكاتب: