ورشة الكتابة المسرحية و اكتشاف الحواس
ورشة الكتابة المسرحية و اكتشاف الحواس
ماذا تقرأ هذه الأيام؟ كان هذا أول ما جاء تحت ناظري هذا الصباح وأنا أتصفح شغب صفحاتي والمواقع الإلكترونية، وقد كان هذا كفيلاً بأن يحمل لي صدى فكرتين، الأولى أن هناك العديد من الكتب والمخطوطات التي بدأت قرأتها ولم أتمها بعد، أما الفكرة الثانية فكانت حالة من الهذيان في الفهم لكلمة قراءة، فهي ذلك الفعل الذي يمكن سحبه على أكثر من بضع صفحات، فالواقع يُقرأ،والتاريخ يُقرأ، والتجارب، والبشر، والشجر، والحجر، وخطو أقدامنا يُقرأ أيضاً.

باختلاف الوقتيتغير فهمي الذاتي لمفهوم الكتابة و كينونتها، وتلك الدوافع التي تحذو بنا أحياناًللكتابة كما لو أننا سيل جارف، أو نبع ماء دفاق، وتلك العوارض الأخرى التي تجعلمنا ومن أقلامنا وإن امتلأت حبراً جدولاً لا ماء فيه، أو بحيرة جفت ليس بفعل ممارساتالاحتلال وجبروته على أي حال، ومحمومة بتلك الأسئلة عن كيف تتوالد الأفكار نصوصاً،وكيف تنضج حاملة الكثير الكثير من ذواتنا، خضت ولمرات عديدة تجربة الانضمام إلىمجموعات و تدريبات منهجية معرفية علمية متخصصة في مجالات الكتابة الإبداعيةالقصصية والنقدية و المسرحية .

مأخوذة بفكرةالكتابة المسرحية، وبذلك الصدى الذي تحدثه الكلمات حين أسمعها تتردد على خشبةالمسرح، فأومن أن تلك المساحة الصغيرة ما هي إلا بضع من مساحات كبرى تتجول فيشوارعنا و طرقاتنا، و تنام فوق أسرتنا، و تتبادل المجاملات مع الجارات صباحاً، وتكيل الشتائم وتشتم حظها العاثر بعد كل حفرة تقع فيها، و إثر كل بالون يطير من بينكفيها عبثاً، التحقت بورشة التدريب على الكتابة المسرحية من خلال مشروع تنظمهمؤسسة عبد المحسن القطان، وكان الأمر أشبه بصياغة أخرى للوقت، تماماً كما لو أننانحيك سجادة هندية تحمل كل هذا التنوع والاختلاف والتضارب والتنافر في الألوان، علىأنها في النهاية سجادة جميلة، مختلفة ومغايرة، و تستحق الوقوف  أمامها لبضع وقت، وربما تعجبك، فإما أن تزينبها حائطاً أبيض بارداً، أو أن تلفها بكل ما فيها من تنوع و تحتفظ بها بين كنوزكالثمينة، وتجاربك.

 

اكتشافالحواس الخمس :

خلال أحد عشريوماً تدريباً أحب أن أصفها بالمكثفة، ليس استعراضاً للجهد، ولكن لتلك الدقة التيكانت تدفع شخصاً كسولاً مثلي للاستيقاظ، و الإنصات لروح المكان، و صداه، ومتابعةالمهام واحدة بعد أخرى،أحد عشر يوماً  كانتمساحة شاسعة و منصفة للتنقل بين أحد عشر كوكباً لكل واحد منها تجربته، ورؤيته وطريقة تفكيره، و ذلك الأسلوب الذي يرشح من خلاله بما لديه من الآراء، دائرة أكتشففيها حواسي الخمس.

أرى :

حين يفسر علماءاللغة الرؤية يقسمونها إلى رؤية قلبية، و رؤية حقيقية مادية، رأيت الأولى في صورةفاطمة ترسم بروحها، بامتداد نظرها و اتساع ذراعيها مرة، و اختناق ركبتيها و تكورهاحيناً آخر، وهي تكون بين ذراعيها قصصاً تمشي كل يوم بيننا، و تبحث في اختلاجاتالنفس، وتضاربات النفس و أوجاعها،أما الرؤية الثانية فكانت تلك التفاصيل الدقيقةالتي تراها تمشي في أحاديث الناس و أفكارهم، في صوت علي، وكم كان حقيقياً وهو يصنعتلك الانتقالات السلسة بين موقف و آخر، و أرى الشخصية تمتد منتقلة بين جملة  و أخرى.

أسمع:

 سمعت : سمعت في صوت غسان سردا ً يحكي البلاد، ويروي تفاصيل إقامة جبرية قاسيةمؤلمة، كيف يصنع من البيت سجناً، هذا صوت لا يبتعد و ينفصل كثيراً عن رنين صوتمحمود و انعكاس هويته في صورة  وجسد النصإذ يحكيه، و يروي حكايات حارات ضيقة، و شوارع لا يعرف كثيرون أسرارها المعلقة علىأعمدة الإنارة، لم تكن البلاد بعيدة و كأني أسمعها وفي صوت كلماتهم، في ذلك الوقعالذي تحدثه الكلمة في النفس،وقع جميل يفوق ما تحسه من حنين و أنت تسمع عبر تقاريرو ريبورتاجات يومية، صوتاً في أسواق الأردن الشعبية، فتلتفت وتقول هذا مقدسي،فهوعلى هذه المسافة القريبة من الحلم، و نحن الوحيدون من نحمل هوياتنا في تفاصيليومنا الصغيرة في معاصما و خطوط يدنا، وتضاريس الوجه و أحرف الكلمات. 

أتنفس:

 أتنفس في كلمات صالح روحاً تتجول في طرقات الذاتالضيقة، و تجوب النفس عمقاً، لم يكن ليأخذني النص في جولة أمشيها في الشوارعوالطرقات، أتأمل فيها أبخرة الشوارع و أسمع ضجيجها، لكنه كان تلك الروح التي تحفرعميقاً فيك إذ تجعلك تتنفس رحيق نفسك، و تشم عطر روحك الداخلي، عطرك الفاخرأحياناً، والمبتذل المتردي حيناً آخر، و أتنفس حياة يشعلها نص سهيل شغباً إذ يرسمالبلاد و ارتدادات الغربة،  و أنينالاغتراب في صومعة بيت صغير، و أحاديث تئن حنياً و تصخب قهراً.

ألمس : حين ألمسيتعدى الأمر حدود النصوص، ووقعها في الذات، اللمس تلك الحاسة التي تجعلك على مسافةالصفر من الأشياء،أحبها لكني أعد العشرة، و ينقضي الوقت قبل أن أفرغ من العد فأبدأباللمس والاستكشاف،في صوت مرينا لمست زوايا المكان، واكتشفت أني لا أكاد ألمسالفرق بين شجر الصنوبر والسرو، وأعزي نفسي فأقول أنهن ينتمين إلى العائلة الحرجيةذاتها، وألمس الأماكن الضيقة، و اكتشفت ملمس الأشياء لغة تحكي الكثير،ونحن بعض منأوراق أشجار، و عمر حكايات ورد، و ألمس في صوت رزق جدران الشوارع، و صخب الطرقات،وشغب العابرين، و أوجاعهم، وفرحهم الخارج دوماً على قيود النص،جسر كلمات طويل كانسيبقى معلقاً في جوف شفتي، إذ سأتأمل الأشياء كثيراً، و سأغيب في التفاصيل، وسأعقد هذه الموازنة غير العادلة بين كل التفاصيل و ما تختزنه ذاكرتي، و كنت سأملأنفسي بكل هذا، و أحمله لها دون أن أحاول إحداث صخب، حين سمعتك تذكرتك تلك القاعدةالتي أحفظها دون أن أجربها كثيراً إذ تقول : " إذا ضاقت بك الحيلة أماممساحات صمت من أي شكل كان فافتعل صخباً بالأسئلة"، لا أكاد أعد تلك المراتالتي بذلت فيها هذا الجهد و أنت ترسم الأسئلة و تحرص على صوغها بنهايات مفتوحة لايمكن أن يكفي معها قول لا أو نعم باقتضاب، فكنت قادرة على خوض تلك المغامرة التيلا أجرؤ على فعلها كثيراً، فأترك لك أن تبدأ بكتابة نص ما، و أثق أن نصاً سأكتبهسيكمل ما بدأته أنت، و يتمم نص الصورة، ولا يكررها، ولا يذهب بعيداً عنها كأنه منقارة أخرى.

أتذوق:

رؤى و إن كانتتحمل في اسمها مساحات و أفق للرؤية و اختلاف و تنوع الرؤى والوجهات، إلا أنها تلكالشقية الجميلة التي أتذوق في نكهة كلماتها طفولة اتفق أن تكون طفولة مسؤولةموجهة، لكنها ظلت تختزن تلك الروح المفعمة بالحياة والتفاصيل الجميلة، تذوقت معهااختلاف نكهة أشخاص عرفتهم و عرفتهم، أما أنا فحدث أن التقيتهم مرات و تجاذبنا بعضأحاديث و نميمة و أفكار أخرى، بينما ظلوا بعض حبر على ورق تتصفحه رؤى، وتختلفنكهتهم، ولا أدري تماماً من منا على حق، و تذوقت معها اختلاف نكهة الشوارع طيبها،و صوتها، و نبشت معها ذاكرتي و انتبهت أني لا زلت أعاني نسيان التفاصيل اليوميةالصغيرة فأنسى أين وضعت دفتري، ويغيب عن ذهني اسم أحد بينما أتذكر ملامحه و كلحديثه، فأجدها تهمس لي الاسم و تنعش بعض ما غاب عن الذاكرة.

وعرفت نكهةالكلمات مع دالية، بتلك الدقة التي كانت تنبش فيها  عن مرادف جامع مناسب يروي ما تفكر به و يصلبهذه القوة وذلك التأثير الهادئ والناجح في دفعك بضع خطوات إلى الأمام، ولم أكرهذلك الهدوء في نفسي و تلك الروية لأول مرة، فقد تذوقت فيها نكهة التروي والسكون،هي بتلك الدقة و ذلك الانسجام.

 

 

 

 


اترك أثراً للكاتب: