وَكيفَ حالُ القاهِرةْ بدُونها؟
وَكيفَ حالُ القاهِرةْ بدُونها؟
Google+
عدد الزيارات
1,015
حتى البحر، ظهرت عليه آلاء السقوط. أصبح وحيدًا مثلى يكابد علامات الشيخوخة محاطًا بمبانى قبيحة.

الطريق من ميامى إلى سيدى جابر فى هذا التوقيت من الفجر كان دائمًا رائعًا. عندما أمتلك الكورنيش والشاطئ بمفردى. الآن إحساس جديد بأن الحبال القوية التى كانت تربطنى بهذا لشاطئ قد تقطعت وتلاشت .طقوس ليلة السفر لم تتغير، أقوم بقص شعرى فلا أجعله قصير فهى تحبه طويل لأسباب لا يفقهها إلا هى. يكتشف الحلاّق شعرة أخرى بيضاء، جديدة، طويلة، قوية، قائمة بمفردها فى عناد وتحدى. أتذكر أول مرة أكتشف شعرة بيضاء فى شعرى وذهبت مهرولاً إليها بأن العمر قد وليّ ولم يبق منه قدر ما قد فات، إبتسمت نافيه، وقالت كلا: بل هناك أربع شعرات بيضاء وليست شعرة واحدة! آمنت لها وإستسلمت، فهى تعرف كل شئ، حتى عدد شعرات رأسى ،فهى تعرفها أكثر منىّ.

(2)

إنتهت التشطيبات والإصلاحات فى محطة سيدى جابر، هى الأخرى تغيرت وأصبحت  أجمل. لم أهتم من قبل بجمال الأشياء أو قبحها ولا أدرى ما قيمة شئ جميل يُحيطه القبح من كل جانب؟ صوت منادى القطارات الداخلى به ألفة معهودة. لم أقابله ولا أعرف شكله ولكنى أحب أن اسمع صوته عندما ينادى عن قطار الإسكندرية المتجه إلى القاهرة القائم من على رصيف 3، أشعر بأنها رسالة خاصة بى وحدى. أشعر بأن هناك قاهرة واحدة يحجّ إليها جموع البشر. أما أنا فلى قاهرة  أخرى ، خمرية كحنين الماضى وصدق المبشرين، ناعمة كورقة شجر لمسها ندى الفجرية ،برونزيه كرمال عانقتها الشمس لعقود، سمراء بلون القهر ودعاء المظلومين، بسيطة،قوية ،ضعيفة، عاقلة كالأم، مجنونة كالعاشقة، دافئة تبعث فى نفسى قوة الجيوش وجسارة الفرسان.

(3)

أجلس على مقعدى متأملاً من الشباك منظر الحقول الخضراء الجميله التى تتناقص  مساحتها فى كل زيارة . أرغب فى أن اقفز من القطار إلى تلك المزراع الخضراء وأن أنطلق فيها مدافعا عن قدسيتها التى إنتهكت من الكتل الخرسانية والطوب الأحمر. كانت المزارع الخضراء دوماً وابدا هى مثال المعجزات والبساطة بالنسبه لى. أرض طينية، حبوب، شمس ومياه. لمستهم جميعا قدرة الخالق فخرج منها هذا المنتج البديع. حتى ذلك أصبح يتلاشى. وكأن الكتل الخرسانية أهم من المعجزات ولمسات الخالق السحرية.

(4)

يصل القطار فى سرعة غيرمتفق عليها. ربما شعرت بهذه السرعة اليوم لأنى أتمنى عدم  الوصول. كنت أصلى أن يصيب القطار عطل فنى غير قابل للإصلاح يكون سبب فى ألغاء الرحلة. وأعود ضاحكاً على نفسى مقتنعا بأنى قد حاولت وشرف المحاولة يكفى. ولكنه وصل في ميعاده بالظبط. أصل إلى مدينة الرماد باحثاً عن النقطة الملونة التى إعتدت عليها لكنى لم أجدها. أذهب إلى ذلك المكان الذى كانت تتنظرنى فيه لأجده خالى رغم زحامه بالبشر، كان ساكن، هادئ، صامت رغم الضوصاء وصفير القطارات. أخذت التاكسى الأبيض كما قد أمرتنى فى أول مرة . فالغريب مثلى لا يأمن غير التاكسى الأبيض ذو العداد. أجلس فى المقعد الخلفى أنظر خارج الشباب إلى بحور البشر. حياة أخرى وعالم أخر. أول مره ألاحظ هذا الزحام. ربما تكون أول مره أنظر من خارج شباك التاكسى. لماذا لم أنظر من الشباك بالماضى؟ لماذا ألاحظ كل هذه التفاصيل الآن؟ الرحلة من محطه مصر إلى الأوتيل لم تستغرق دقائق معددودة.

 (5)

أدخل فى غرفتى لا أفعل أي شئ سوى الجلوس على مؤخرة السريرالمُرتب. غرفة الفندق  تبدو الآن مجرد أربعة جدران مؤقتة ليست بيتى وليست ملكى .الهواء البارد الناتج عن التكيف ينتصر أخيراً بعد أن كان مهزوما مغلوب على أمره من اللحظه التى تطأ قدميها أرض الغرفة.  لمسة واحدة من يديها الصغير تحول جبال الثلج إلى شموس ملتهبة. أنظر الى الأشياء المألوفه داخل الغرفه ولكنها بدت غريبه عنى. أنظر الى  النيل من الشرفة فاذا به غاضباً منى يعاملنى بجفاء وكأنه أول مره يرانى. أنام على الجانب الأيمن من السرير، وأترك الجانب الأيسر مرتب منظم منتظراً حدوث المعجزة.. فى الثلث الأول من  الليل، نزلت إلى كورنيش النيل، جلست على ذلك المقعد فى نفس المكان. أتت بائعة الفل الصغيرة، إبتسمت لها إبتسامة الترجى ” ألا تعرفينينى؟ أنا من إشتريت منك ثلاث وردات بالماضى”. تجاهلتنى هى الأخرى نفس تجاهل النيل وجدران الغرفة. أذهب الى محل السمك .. الكشرى .. هذه القهوه البسيطة فى شارع القصر العينى .. المقهي الآخر فى التحرير .. الأوبرا ..النادى الأهلى ..خان الخليلى … محطة المترو.. تجاهلنى الجميع وكأنى نسياً منسيا.

(6)

بحلول الثلث الأخير من الليل أصبحت أسمع أصوات قادمة من أضرحة المشايخ وأهل البيت ومكتوبه على رسائل المحبين تأمرنى بأن أعود من حيث أتيت. فهذا هو حال  القاهرة بدونها.وعدت وحيداً كفرع يابس تتخطفه الرياح


اترك أثراً للكاتب: