من مطبعة واحدة
 من مطبعة واحدة
كنتُ اعرف الكثير منهن كُنَّ متشابهات ..كنسخ من سلعة واحدة ..

يهتممن بحشو معدتهن الصغيرة بالمزيد من الأطعمة الدسمة والحلوة التي لن تزيدهن الا شحوما وطبقات من الغباء ..رفضي لهذه العادة جلعني محط سخرية ..نهاد لما أنتِ نباتية ؟ امم اتريدين الحفاظ على رشاقتك مثلا ؟ ثم ينفجرن ضاحكات لتقول احداهن ..انتظري هنا عزيزتي سأحضر لك جزرا وحبتين من الطماطم الطازجة ..يعجبني مزاحهن كثيرا ..لكنهن أخطأن في معرفة السبب .. لستُ اريد الحفاظ على رشاقتي ولستُ أعتني بمظهري لألفت انتباه احد حتى انني لا اضع قطرة واحدة من مستحظرات التجميل على وجهي ..الا ان انتهك المرض جسدي ..وخلف وراءه هالات صغيرة ..فحينها تستحق اهتمامي .. لم أُخلق للأكل لم أُخلق للسماح بمسحوقات " تجميل " رخيصة أن تمسح معالم الطبيعة في وجهي .. لم يفهمن ذلك كن فقط يتحدثن طوال الوقت يترثرن كثيرا ويمضغن يوميا خمس حبات من العلك الزهري ..

كان حديثهن فارغا ..لا يناقشن الأمور السياسية لا يتحدثن عن آخر ديوان قرأنه ولا الرواية التي اثارت اعجابهن بحبكتها لا يشربن القهوة يعتبرونها مشروبا مفضلا للقريبين من حفرة القبور للعجزة .. 

 كان الأكل والتجميل محور حديثهن حفظت العطور التي كن يتحدثن عنها والممثل الذي سلب روح كل واحدة منهن وصفات فرسان احلامهن ..احلامهن وردية بشكل مبالغ فيه ..فقط انا الوحيدة من كنتُ اعشق الأزرق والزمردي ..والأسود اكثر من كل شيء ..

اليوم وبعدما افترقنا ..بدأت التقط عينا كل واحدة منهن في كل يوم في حي ما ..

أذكر صدمتي عندما رأيتُ نادين وهي تمسك بيد صغيرها الذي يبدو انه طفل ذو العامين ..وكيف انني لم استطع ان اخفي اندهاشي مما حدث فتاة في الثامنة عشر من عمرها تنتهي بها احلامها الوردية الى واقع اسود لعين 

أذكر أنني التقيت بها " فاطمة " وكانت تمتهن مهنة الميكانيك مهنة الرجال رموشها الكثيفة تساقطت وشحب وجهها ..كانت متسخة جدا بثياب رثة باردة ولم تجد إلا سيارة بموديل قديم لتتخفى

 تحتها.. أذكر كيف اشاحت بوجهها بعيدا عني كأنها لم تراني وفهمتُ أن الظروف جرفتها ..

المسكينة اين هي الكاميرات التي لطالما حلمت ان تكون هي صورتَها المُلتقطة 

كل واحدة منهن جعلتني أفكر مليا في وضعي ..هل من المعقول ان تفعل الحياة بنا فعلتها الشنيعة ونحن في عمر الزهور ...هذا ليس عدلا لكنه واقع والواقع لا يكون عادلا دائما 

نظرتهن الساذجة للحياة وعدم تخطيطهن المسبق ..سذاجتهن المفرطة اوقعتهن في ما لايحمد عقباه 

رباه ! أيعقل ان اكون ..

لا ... وصدقا انها فرصة ..انه تحفيز للتغيير ..للمضي قدما لاستشراف المستقبل ..

انها فرصة لأكون أنا واتشبت بسوادي وزرقتي بعيدا كل البعد عن العوالم الوردية .

#نهاد


اترك أثراً للكاتب: