اللهجات فى المجتمع المصري
اللهجات فى المجتمع المصري
اسم لغة لهجة لون نسب هي مكتسبات الولادة والمجتمع المحيط، ينشأ الفرد محاط بها، فتسبغ عليه تأثيرها،بعضها قد كتب عليه إلى أن يدخل قبره كالنسب مثلا،وبعضها قد يتغير بتغير حاله أو بيئته،لكنها مكتسبات بغير نصب،فلا داعي للتفاخر بها فهي مما كتبه الله على خلقه وقدر فيه الاختلاف.

ويدور كلامنا في هذا المقال عن اللهجة، فنحن نتفق في اللغة وهي لغتنا العربية لكننا نتباين في اللهجات وطريقة النطق،إذ إنها تعترض الفرد حين التنقل من بلد لآخر،و كطالب جامعي كتب الله لي أنا أكون في كلية جمعت مصر من أقصاها لأقصها شرقها وغربها،فتعاملت كثيرا مع هذه الظاهرة،ورأيت لهجات مختلفة وطرق شتى للنطق وأحيانا بدافع من المزاح ، يتحول الموضوع إلى تهكم، هذا يسخر من ذاك لأنه مط الكلمة مطا، والأخر من ذاك الذي فخم الحرف تفخيما صم له سمعه، والآخر الذي بالغ في ضم بعض الحروف من بعض الكلمات، وأهلونا في الاسكندرية الذين يضفون حرف الواو إلى بعض من كلامهم،وأهل الصعيد ولهجتهم المعروفة،ثم تجد التنابذ فيقال لهذا أنت صعيدي ويقول للآخر أنت فلاح وتجد خلافا لا على شيء إذ بي مرة أدخل نقاشا هل الصحيح في كلمة ضَعف المشتق منها كلمة ضعيف أن تنطق ضعف بفتح الضاض أم بضمها، فهذا يرجح لهجته وما وجد علي آباءه وأجداده والآخر ينكر، لكن الطريف فى الموضوع أن كلاهما ورد في ألسنة العرب! كلاهما صحيح.

وأعلم أن التطرق لمثل هذا يكون دربا من دروب المزاح ليس إلا، وقليل جدا ممن يتخذ الموضوع جديا،لكن سنضيف بعض من الحماس ونتكلم في الموضوع جديا لنهمس نصيحة فى أذن صنفين، أما الأول فهذا الذي يجد سخرية من لهجته فيضيق صدره بها ، وأما الآخر فهذا الذي يجعل من الأول مادة للسخرية.

كما قلت إنها من الأشياء التي لا يلام الفرد عليها،إذ إنها ليست مما كسبت يداه.

ويجدر بنا هنا أن نعرج على القرآن الكريم،فالله سبحانه وتعالى حينما أنزله علي نبيه نزله بأكثر من رواية فنزل بعشر روايات كلها واردة عن النبى_صلى الله عليه وسلم_ والشاهد من هنا أن الله سبحانه وتعالى رعى اختلاف الألسن فنحن نعرف أن الألف بفتح الفم فتحا وسطا كما في موسى وعيسى مثلا لكن كان هناك بعض القبائل في عصر النبوة تستسهل ألا تفتح فمها فتحا كاملا عند نطق هذه الألفات فيفتحونه ويخلطون هذا الصوت بشيء من الياء،فالله سبحانه وتعالى بعمله رعى مثل هذه الاختلافات فكلمة موسى وعيسى في روايتنا رواية حفص عن عاصم ننطقها طبيعة كما تعودنا عليه أما فى رواية ورش  عن نافع يخلط هذا الألف بشيء من الياء وتكون الغلبة للألف ويسميها علماء القراءات إمالة صغرى،أما في رواية خلف عن حمزة فتكون إمالة كبرى.ومن الأفضل أن تستمع لهذه القراءات لأنه يصعب تمثيلها بالكتابة.

وليس هذا هو المثال الوحيد فالأمثلة متعددة لكن الشاهد أن الله سبحانه وتعالى رعي مثل هذة الاختلاف بين الألسن.

فإن كان الله عز وجل نزل القرآن بأكثر من رواية مراعاة لهذا الاختلاف بين العرب، فحري بك أن تراعي مثل هذا، لا يشترط ان تتكلم مثلهم لكن فقط تحترمهم ولا تجعلهم موضع سخرية.

وإني أريد أن أوصل رسالة للفريقين السابق ذكرهما:

الأول وهو من يضيق صدره بسخرية البعض من لهجته، فنقول هون عليك فليست نقيصة ولا عيب وليس المهم كيف تنطق لكن المهم ما تنطق وما يحتويه عقلك، وقد يغير البعض من لهجته لتناسب وضعه الجديد سواء كان مسافر للعمل او للدراسة، وهذا إن فعلته فهو محمود والتكيف مع الحياة مطلوب إن استطعت  وإن لم تستطع فليس عليك حرج ، المهم في هذه النقطة أنه حينما تُرد إلي موطنك وأهلك فلا تسخر منهم ومن لهجتهم التي هي لهجتك، فقد رأيت بعضا ممن قضي فترة في المدن وحينما عاد إلى أهله في قريته أخذ يتهكم عليهم ويستهزأ بهم في لهجتهم ويتهمهم بالتخلف،وينسي نشأته الأولى بينهم فهذا عندي أشد انحطاطا وأقل شئنا حتى من الصنف الثاني المذكور آنفا والذي سنبدأ عنه الكلام في الأسطر القادمة.

أما الفريق الآخر وهو الفريق الساخر سواء كان مازحا أو متكبرا

اعلم أن السخرية من لهجة غيرك لا ينتج إلا من ضحالة الفكر، فالسخرية ما هي إلا اتجاه لستر عورة عقلك،كي لا تكشف سذاجتك، فهو فارغ خاوي علي عروشه،

وإن كانت السخرية نابعة من التكبر والاستعلاء،فليست مما قد تفخر به.

أما إن كانت للمزاح، فيستحن ألا تمزح بمثل هذا لأنها غالبا ما توغر في صدره وكثير من الأحيان تقع عنده بموضع الاستهزاء.

فلنبتعد عن مثل هذا النوع من الهزل، والترفع عن هذا ومثله من النقائص بين الأفراد يثمر المحبة والاحترام ويقطع الطريق على الشياطين، خاصة شياطين الإنس المتربصون للوقيعة بين الأحباب.


اترك أثراً للكاتب: