لبس العيد، قميص "باباى"
لبس العيد، قميص "باباى"
Google+
عدد الزيارات
135
دعينى اذكرك ما حدث منذ عام!

لا أعلم لماذا اخبرتينى بذلك! ان كان مزاحا فهو سئ للغاية ولا أريد تجربته مرة اخرى! ولكن برودة يديك، وجمود ملامح وجهك لا يوحيان بذلك. حسنا انطقى الجمل كلها مرة واحدة ودعينى اتجرعها واشفى بها سقمى. لا تنتظرى طويلا فالحمل ثقيل عليك وأريد ان ازيحه عن كاهلك، أنا صلب هنا واعتدت على تلك الامور مرارا. "ارتدى قميص "باباى" ..هههههه هذا لن يحدث".

دعينى اذكرك ما حدث منذ عام!

كنت صغيرا، سحبتنى أمى من يدى الى شارع السوق...أاه، اكره ذلك الزحام وتلك الاصوات العالية واكره البائعين واكره ليلة الوقفة بسبب ذلك المشوار البائس...نبحث عن زى مناسب جميل لطفل لم يتعدى السابعة من عمره، تغطى وجهه لمحة حزن وكأبة طبيعيين. هذا الطفل هو أنا، وهذه السيدة بجوارى هى امى.

استوقفنا احد الباعة وعرض علينا الدخول لرؤية الملابس الجميلة بالالوان الزاهية، ترددت امى قليلا ولكننا دخلنا بعد رؤية عدد لابأس به من الزبائن يكتنزون المحل. بدأ الشاب فى عرض بعض الأسئلة اولا، وحقا لقد كان حاذقا، لم تكمل امى اجابتها حتى عرض عليها بعض القطع اعجبت بها أمى كثيرا.

بينما كنت أقف وأمرر عينى فى ارجاء المكان، توقفت نظراتى على الصبى خارج المحل، ينظر من خلال النافذة وتتعلق عيناه بقميص معلق مرسوم عليه شخصية الكارتون الشهير "باباى". أخذت ابحث اكثر عن امه اواباه او اى كبير يصطحبه كما تفعل معى امى ولكننى لم أفلح. هو فقط، وعيناه الصغيرتان، وشعره الاصفر المائل الى لون التراب ويداه الملتخطان ببعض السواد.

أدركتنى سهام الالم فى هذا العمر الصغير. علمت ان ما يملكه ذلك الصغير، غير الذى عندى، وان حياتى التى ظننتها بائسة، كانت جنة بالنسبة لجهنم التى يحى فيها. جذبت امى من ملابسها، فنظرت الى ولم انطق. فقط اشرت الى ذلك الصغير عند حافة الباب، يقدم خطوة الى طريق الامل ويتراجع خطوتين الى طريق اليأس. لم تسألنى امى عما يريد وفهمت ما يدور بقلبى البرئ وعقلى الصغير، لقد كنت محترما حقا. جزاها الله كل الخير، طلبت امى من البائع ذلك القميص المعلق، وقميص اخرمربعات خضراء متداخلة مع اخرى زرقاء. ريثما ازاح البائع القميص عن الزجاج، وجدت الصبى يتوارى، ويحك انفه، ويحرك عينيه فى لا أرادة. خرجنا انا وأمى بعد ان انقدنا الشاب ثمن القميصين واتمننا بيعتنا. خرجنا ولم نجد الصبى.

أخذت انا وأمى فى البحث عنه فلم نقف له على اى اثر، السوق مزدحم والناس كثر يكفى كل منهم همه ومشقته ولا ينظر الى تعب الاخرين المساكين العجزاء. تاه الصبى وسط جموع الناس وتاهت افكارنا ومحاولتنا وسط التعب والانهاك. عدنا الى المنزل وعادت امى وفى كيسنا قميصين وفى قلبى غصة لا تندمل. قد منعت الصبى حتى من النظرة وخطفت عنه اخر امل قد يمنحه بهجة العيد. 

فى صباح اليوم التالى ارتديت قميصى وأنفقت عيديتى على بعض المفرقعات واكياس الحلوى والبطاطس. دائما يدور فى خلدى ذكرى كيف سيحى هذا الصغير يوم العيد ومن سيرتدى قميص "باباى" فى العام المقبل، لست انا بكل تأكيد! 

 


اترك أثراً للكاتب: