هل سمعت بامرأة تلد نفسها ؟... أنا فعلت
هل سمعت بامرأة تلد نفسها ؟... أنا فعلت
لا شيء يوقظ هذا الحطام الآن.

أمضيت يومي جالسة قريبا من الباب المؤدي إلى غرفة العمليات في انتظار خروج والدي بأقل الخسائر. باستثناء الذعر الذي تحدثه ساعات الانتظار وساعة الهاتف الغبية التي تتمشى على مهل. باستثناء المشقة التي تبذل في فهم تعابيير وجوه الأطباء وكادر التمريض الرائح والغادي. باستثناء الرسائل التي ترسلها الحياة من على الأسرة الداخلة مكشوفة إلى العناية الحثيثة والاسرة الخارجة منها مغطاة. وباستثناء الرغبة في البكاء والخوف من الانفلات أمام عشرات الأشخاص دون توقف. و باستثناء الحد الفاصل بين الحياة والموت، كاد كل شيء أن يتشابه.

عليك السلام يا أرقش أينما كنت الآن . ليس مهما يا صديقي المكان ولا الزمان، إنهما فاصلان تافهان يحبسان الطين القذر فقط، وليس بمقدورهما أن يفرقا فكر قد توحد. إني أقرئك السلام كأني أفعل ذلك لآخر مرة، في كل مرة أتوهج فيها بنورك، هبت ريح سموم، فأعود إلى الانطفاء من جديد وأنتهي إلى رماد هش. لا شيء مستحيل بعد الآن يا أرقش، فالفاصل بين الحياة والموت كالفاصل بين الولادة وما قبلها، إنه فاصل كينوني لا علاقة له بالزمان ولا بالمكان، فاصل بين أن نكون هنا اليوم أو هناك بعد حين، وإلى الأبد.

أنا لست على ما يرام يا أرقش، صرت أخشى على نفسي هذا التفكير المضطرب والمتزايد باستمرار. سأقول لك شيئا الآن دون أن يؤخذ ما سأقوله على محمل السخرية، اتفقنا؟. قبل أيام، معلمة احمد التي تجاوزت الثلاثين خاطبتني "بالخاله"، والممرض الذي كان يضع فوق صدر والدي أسلاك ومعدات قال لي لو سمحتي يا "خاله"، أحد قرائي الشباب يناديني "بالخاله" دائما. إن اللقب يا أرقش لا يزعجني البتة، على العكس، فهو يفرض نوعا من الاحترام وإن كان احتراما مستهلكا ومصطنعا. لكن اللقب اليوم يا أرقشي كان مخيفا أكثر من أي وقت أخر.

هل تراني قد كبرت يا أرقش؟ هل بدت التجاعيد في وجهي واضحة أكثر مما يجب؟. إنني أتقدم بالعمر مندفعة مثلك، لا أخشى في ذلك شيء، لا أخاف هذه الفكرة على الإطلاق، بل على العكس، أنا أغبط أولئك الذين وصلوا من العمر أرذله، الذين فعلوا ما طاب لهم أن يفعلوا، الذين سلكوا طريق الأمنيات، الذين شارفوا على النهاية. لقد خفت اليوم يا ارقشي أن يداهمني الموت قبل أن أقول ما يجب قوله وقبل أن أفعل ما علي فعله. 

هل فكرت يوما أن تكتب وصيتك يا أرقش؟ أنا اليوم، فعلت.

عندما خرج أبي معافى قال برضا تام" لقد بلغت من العمر واحد وسبعين، أنهيت رسالتي أو كدت، تعبت ما أراد الله لي أن أتعب، قدمت لكم ما استطعت تقديمه...." ثم صمت واحمرت عيناه. تخيل يا أرقش، أنا أمام دمعة أبي التي لم أرها في حياتي أمنع نفسي من البكاء....... واستطيع. لم أبك يا أرقش، كنت قوية طوال الوقت تقريبا، لا تندهش أرجوك، أنا نفسي لا زلت في ذهول إزاء ذلك.

ماذا دهاني يا ارقش؟ هل صرت قوية فجأة؟ هل ملكت الشجاعة وصعدت السلم وخرجت من القبو المعتم؟. إنني هشة يا أرقشي أكثر من أي وقت مضى، لكنني اليوم هناك، في الفاصل بين الحياة والموت، كنت قوية ولم أبك.

أنا أبكي يا أرقش كلما طلع نهار، عندما يولد قمر، عندما تبزغ شمس، عندما أتوهج وأكتب كلمة، عندما أصنع رسالة، عندما أشتري قلم، عندما يمتلئ كتاب،عندما أقرأ قصيدة. أنجبت ثلاث مرات، جربت المخاض، حاربت الألم وغلبته، في اللحظة التي كنت أسمع فيها صوت طفلي، كنت أبكي، بكاء حارا. وأصعب ولادة يا أرقش وأقساها، عندما قررت أن أنجب نفسي.

هل سمعت بامرأة تلد نفسها؟ أنا فعلت.

قبل عام ونصف، بعد ألم عنيف، رميت نفسي من على جسر ما، في مكان بعيد لا أعرفه، رميت نفسي ولم أسقط، ولتكن التجربة، بقيت معلقة في الهواء لحظات ، دقائق ، ساعات، لا أتذكر، بكيت بشدة مثل طفلة خائفة، ثم فجأة يد ما، جناح ما ربما، كان لي بساطا ونجاة، لم استطع رؤيته، لكنني التحمت بنوره،تلونا الشعر معا، انفجرت معه وتبعثرت... ثم.... ثم ولدت من جديد، وكبرت.... نضجت والآن شخت. النهر الذي أخذ دموعي إلى البحر في المساء، أعادها شعرات بيضاء إلى رأسي في الصباح. لقد كبرت يا أرقش وازددت هشاشة ولم أعد باستطاعتي الآن... البكاء.

شكرا يا أرقش لأنك تصنع سعادتي، عظيم الامتنان للصدفة التي جعلتك جزءا مني. ولأن لا قصائد بعد الآن، ولأن القصائد لا تنظم للعجائز، سأنزل السلم وأعود أدراجي إلى قبوي المعتم، راضية مرضية والأهم من ذا وذاك أنني تماما مطمئنة.


اترك أثراً للكاتب: