جهاد في سبيل القُبلة
جهاد في سبيل القُبلة
حمم بركانيّة وموعد في مكتبة .

فخّ في مكتبة

في أواخر عطلة الرّبيع المدرسيّة ، الأفراح والزّغاريد كثيفة هُنا ، قرية هادئة يحرّكها صخب حفلات الزّواج . نبيل تلميذ فطن وذكيّ . يدرس بكالوريا آداب ، حياته موزّعة بين الدّراسة وكرة القدم .

في أوقات الفراغ . يقوم بمساعدة أبيه في شؤون المنزل وتربية المواشي التي دأب عليها منذ الصّغر .

رنّ الهاتف القارّ المنزليّ ، إذ بصوت خافتٍ يأتي من بعيد . بين الجمل المنتظمة نقاط وفواصل . قالت سرور بهدوء : _ نبيل .

مرقت تنهيدة صغيرة من فمه كأنّ الهواء غاب عنه وعاد . أجابها بصهيل خيل بعد سباق طويل :

 _ كيف عرفت رقم هاتف بيتنا ؟

ضحكت واللّحن صداه يدغدغُ القلب التائه : 

_ أ نسيتَ أنّك أعطيتني ايّاه في مناسبة زواج صديقتي بسمة !

كأنّه يتلقّى صفعة يلعنُ فيها عبث الذّاكرة وخيانتها ، فكّر لبرهة سريعة  وقال بحزم : 

_ نعم ، التقينا صدفة يومها.

أخذه الحنين إلى لقاء غريب في حفل زفاف عجيب . قرية مجاورة تبعدُ قرابة خمسون كيلومتراً . الرّمال الصافية تُحاصر المنازل من كلّ الأوجه والزّوايا . كانت من أجمل الصّدف ، الوقت يمرّ بسرعة البرق آنذاك . يراقبُ الزّمن كأنّه أمام ساعة رمليّة . رآها ترقص مع الفتيات في ليلة فرح صاخبة بضجيج أغاني المزود ( فلكلور شعبي تونسي ) . رمت دراستها الجامعيّة للفوتوغرافيا جانباَ . تحمل بين ثنايا جسدها طاقة جذب خاصّة .

سقط نبيل في الحبّ مثلما يسقط المهرّج سهواً في الرّكح . كأنّهما في حصّة تعارف من السنة الأولى ابتدائي ، هكذا تلاقت العيون وتصافحت القلوب . في نُزهة أولى ، مضوا بعيداً عن البنات والأولاد . تحت ظلّ شجرة الكاليتوس وأغصانها الكثيفة ، التقى نبيل وسرور .

مفتاح كانت تحمله بيدها ، بخطّ أعرج خربشا حرف النون والسين يُحيطها قلب صغير وسط جذع الشّجرة المباركة ، هكذا أطلقا عليها اسماً سرّيا .

 سرور طالبة في منتهى الذّكاء ، حملت بين يديها ورقة بيضاء صغيرة كُتب عليها بقلم أزرق جافّ رقم هاتف بيت عائلتها المنزلي . عرف نبيل وقتها أنّها تعشق موسيقى " الرّاي " ، غريبة هي حتّى في ذوقها الفنّي . تستمعُ الى حدّ الثمالة الى الشّيخ الهامل والشّاب حسني ( فنّانون جزائريون : الرّاي ).

عاد اليه صوتها الرّخيم عبر سمّاعات الهاتف : - هل بإمكانك ان نلتقي قريباً في مكان ما ؟

دون تفكير مسبق أجبتها : 

- المكتبة ملاذنا الوحيد .

ذات صباح خميس هادئ ، قرص الشّمس يغازلُ النخيل بضياء ناعم . السّاعة التّاسعة ، توقيت فتح المكتبات العموميّة . رُكن صغير في مكان مخفيّ عن الأنظار ، الجاسوس الوحيد هي : نظرات الكتب .

مكتبة صغيرة ، مليئة بعناوين مختلفة ، محمود المسعدي / رضوان الكوني / كمال الرّياحي / نجيب محفوظ / احسان عبد القدوس / جبران خليل جبران / محمود درويش / عبد الرحمن مجيد الربيعي / عبد الرحمن منيف / جبرا ابراهيم جبرا وعناوين كتب فرنسيّة .

سبقتهُ سرور بنصف ساعة ، كانت جالسة على كرسيّ خشبيّ ، ترتدي شالاً أصفراً يُغطّي جدائل شعرها . دخل نبيل الى القاعة الصّغرى البعيدة عن ضوضاء ركن الأطفال .

رفوف منظّمة تحتوي على عقول وأسرار التّاريخ وروايات وقصص ومسرحيّات شكسبير امتزجت بين التّراجيديا وخيال العظماء . تلتقي الأجساد في حضن الأفكار . صافح يدها اليُمنى بلمسة دافئة . همسَ بصوت خافت : " توحّشتك ياسر " ( اي جدّا جدّا ) 

ابتسمت بخجل وحمرة بالغة على محيّاها . واحترقا آنئذ في حمم بركانيّة من القبل تقودها نشوة فائقة . ولكنّها لم تلبث أن انتزعت نفسها من بين يديه وقالت :

 - أرجوك يا حبيبي.

وفي أثناء وقوف نبيل ، سمع صبية يضحكون بقهقهة عالية ، إذ بإحدى النّوافذ مفتوحة ، كان الأطفال الصّغار يسترقون النّظر عبر الزّجاج . كأنّهم يرون بفضول لوحة من السيرك يقودها ساحر عجيب وقبّعة يخرج منها حمامة بيضاء . قلت لها : لقد وقعنا في الفخ . 

أسدل ستار النّافذة وبهجة القبلة الأولى تركه عالقاً في نهر من السكّر.

#الغرياني_بالسّعيدي : 

حزوة / تونس 


اترك أثراً للكاتب: