عند الاقتراب من الحافة
عند الاقتراب من الحافة
Google+
عدد الزيارات
44
ما هذا النص إلا نتاجٌ لعدة اصطداماتٍ كانت تحدث داخل رأسي طيلة الفترة الماضية، بهدف الإجابة عن سؤال واحد.
"أليس من المتوجب علينا وكنتيجةٍ لتغير معطيات الواقع الذي نعيشه، أن نغير من الأساليب والقوانين التي نحكم من خلالها على الأشياء؟"

  وقبل أن يرفعوه إلى  الأكتاف المبتلة والمغبرة كما بقية الرجال الذين حان وقتهم المنتظر بتيقّنٍ في ذلك اليوم المشؤوم الآخر.

وفي جوف القيظ وذلك الوهن الشديدين، فوق حواف الحصى والرمال اللاسعة، خرج -وكأنه من العدم-  بحيث لم يستطع أحد التعرف على ملامحه صوتٌ ستينيّ بنبرةٍ مكتومةٍ عابراً تلك الجموع المتبخرة، بأن لاحاجة لأن يغسل الشهداء كما العادة، وبمحاولةٍ يائسةٍ لتهدئة ذلك النشيج القاسي، بأنّ الشهيد روي بدمه كما سيروي الزهرة التي ستنبت من مكان سقوط رأسه بعد حياةٍ ودهر.

سارو بهم نحو أرض أبي حسن بالقرب من مدفن القرية، والتي كانت قد استحالت وقتها وحشاً نهِماً يترقب ساعة الغروب من كل يومٍ، يتطلع إلى رائحة الموت، منتظراً الفريسة الجديدة لتلقى في أحشاءه.

وقبل أن ترد ذرات التراب إلى أكفهم المفتوحة عنوةً بعد أن خلّصوهم بنادقهم التي انفصلت عن صدئها، ذاك الذي فضّل الخلود وهو ملتصق بلون الدم المنهمر فوقه، قاطع النحيب المتحشرج في حلوق النساء المتكومات فوق بعضهنّ عند أحد أطراف القبر الواسع وصراخ الشيوخ –او من تبقى منهم- في أشداق البنادق المصطفة برتابة أيدٍ مرتجفةٍ تحت سيول الدموع المنهمرة.

هناك تماماً، خرج فتىً ذو أربعة عشر عاماً على وجه التقريب، بخطاً صارمة وثابتة، تدق التراب على حواف القبر، وتكدس الذرات المبعثرة منها فوق بعضها البعض، ويجتاز تلك الحافة، الحافة مابين الحياة والموت، الحافة مابين الفناء والخلود.

متجهاً بكل مايملكه من عزم نحو عتبات الموت، شادّاً صدره لأسفل، ساحباً القوة من ركبتيه، ملتصقاً بصدرٍ كن قد بدأ يغطى بالتراب.

خرج عندها صوتٌ نسائيّ من خلف، كان يشدّ فيه عند كل حرفٍ نُطقَ، وأتبع كل واحدٍ بشهيقٍ مستميتٍ لو حُمِّلَ على صخرةٍ لهشمها.."هذا ابنه".

حتى رفع الفتى ذو الكتفين المكورتين المتباعدتين بنيته الرجوليّة بملامحها الصلبة عن صدر ابيه، والذي بدا كأن أكفّاً خفيّةً كانت قد بدأت تُبعث من شقوق الأرض لتمسك به وتسحبه إليها.

رفع الصبيّ نظره لأعلى بحدقتين متحوّطتين بآلاف الخيوط الحمراء المتوهجة، وكأنما نزل عليه وحيٌ بحبلٍ إلهيّ صاعقٍ من السماء.

وراح يزيح أزرار السترة الرثّة على كومة اللحم الهامدة، باحثاً عن شيءٍ وكأنه موقنٌ من حتمية وجوده إيقانه بامتلاكه لأصابعه التي يفك أزرار القميص بها.

حتى أخرج ورقةً ملطخةً ببضع بقعٍ من لونٍ أسود، يميل من إحدى حوافه إلى درجة قاتمةٍ من الحمرة.

وضعها في جيبه وعاد أدراجه سائراً نحو الخلف، تائهاً بين جموع العجائز، مفسحاً المجال لاًصوات النحيب مرةً أخرى لتجثم مكانه.

( بني:

ها قد تطلب مني الأمر تسع ساعاتٍ وحياةً بحالها، لأفي بوعدي وأورثك هذه الوصية التي لطالما حلمت أن أملأها لك بهذه الآراء الفلسفيةِ المستنزفة.

تسع ساعات ياولدي وهذه الفكرة تأبى الخروج إلى العلن، وأنا أحسها تتحرك كأجنحة فراشةٍ عالقةٍ عند أسفل حلقي وأطرافه.

حتى شعرت بأن لا مفر لها هذه المرة، وأن القدر سيكون حليفي في إجبارها على المثولِ كشاهدٍ عيانٍ في هذه القضية.

توجهت نحو الورقة التي كنت قد خبأتها كما وعدتك

أمسكت القلم المتعرق، وما كدت أصل الحرف الثاني بسابقه حتى أحسست برأس القلم يتحطم ويتناثر على أطراف كلمته التي لم تكتمل بعد، فوق بروز الصخرة الخشنة.

ثم بحثت عن قلمٍ في جيوب الرفاق بين الرصاصات لساعةٍ متواصلة.

وعندما أسقطته على الورقة كان فارغاً أوجافاً من شدة الحر.

ماكنت أحاول قوله لك يابني وقبل أن يعاكسني القدر لثلاث مراتٍ متتالية هو الآتي.

"إياك وأن تكون جباناً، لن يصيبك ماهوأبعد من الموت.

وأقول لك، ما الموت أساسا؟ أهو أكثر من محض رحلةٍ مجهولةٍ لا تطيق أن نحمّلها أثقالاً فلسفيّةً فوق ذلك؟

وبالأصل ما نحن إلا كائنات فضوليةٌ حتى القرار."

ولكنني ما إن انتهيت من كتابتها حتى شعرت وكأن قبضةً من فولاذٍ ساخنٍ سقطت على رأسي،

لم تكن رصاصةً ياولدي.

فكر جيداً .. لو أنها كذلك لما كنت بقيت حياً لاصف لك الأمر.

لكنني شعرت وكأن القدر يصفعني بنبرةٍ صارخة، يحاول بها معاتبتي على ماأفعل.

لم أدرك ما القصد من ذلك في البداية، لكنني ولأول مرة في حياتي فعلت شيئاً دون التفكير في عواقبه، قفزت عن الصخرة ممزقاًالورقة، ناثراً أشلائها فوق خوذ الرفاق الباهتة وكأن ذلك حدث بفعل قوة خفيّةٍ تتحكم بأصابعي.

وأحمد الله أنني وجدت هذه الورقة لأكتب لك عليها، ولكن ذلك لم يتم حتى مر وقتٌ كفيلٌ بجعلي أفكر مليّاً في تفسير لما كان يحدث آن ذاك.

"أيعقل أن القدر بات يكره الكذب اليوم؟أويعقل أن القدر كان يمنعني من أن أترك لك إرثاً كاذباً كهذا؟"

ستقول أي كذبٍ هذا.. لقد فكرت في الأمر وأظنني فهمت ماكان يجري..

" أحقاً يمكننا أن نكون شجعاناً كما ندّعي يابني؟"

وما هذه الشجاعة التي نتبجح بها ليلاً ونهاراً في الأساس.

يبدو انني لم أدرك ماهيتها حتى اليوم، وأنناما كنا في الماضي سوى قطعانٍ تحكم على الأمور دون معرفتها.

وعلى الرغم من أنني كنت أمتلك مايكفيني من عتادٍ يخولني لاكتشافها، إلا أنني لم أفكر يوماً في ربط هذه المعلومات على النحوالذي يجعل المرء قادراً على فهم مايجري حوله.

كان يعرفها المعجم على ما أذكر، أنها القوة ورباطة الجأش، وشدة القلب عند البأس، وهي ما يمكّن المرء من مجابهة أي خطر أو ألم.

كان أفلاطون ينصبها إحدى أمهات الفضائل الأربع.

ستفكر، فبمَ عرّفها إذاً؟

وأذكر أنني ذات يوم فكرت أيضاً في ذلك ،وأنني بحثت عن الأمر، وأظنني أستطيع أن أقول لك .. هو لم يفعل ذلك بالمعنى الحرفي، ولا أيّ من أقرانه في ذلك العصر.

قرأت يوماً في كتابٍ ما:

"بعد محاولةٍ طويلةٍ حول معنى الشجاعة، أشاح سقراط بيده، وقال لأصحابه /لقد فشلنا في أن نكتشف ماهيّة هذه الشجاعة/ ولم يكن مردّ هذا اليأس إلى كسلٍ عقليٍّ أو سؤال من ليسوا من أهل الاختصاص، بل كان منبعه تعقد معنى الشجاعة إلى الدرجة التي تجعل فهمها مرتبطاً بفهم الوجود نفسه.

وأما أفلاطون، وبعد جهدٍ مضنٍ، قال: سأعتبر الشجاعة .. الجهد الذي يقع بين العقل والحس، ويجعل المرء يسعى سعياً لاإرادياً إلى كل ماهو عظيمٌ ونبيل.

وأما آخرون أمثال الأوروبيون /نيتشه وسارتر وكامو/ اعتبرو أنها لا تعني غياب اليأس، بل هي القدرة على فعل الأمر والتقدم رغم اليأس."

 

وأننا ولو تركنا هذه الآراء الفلسفية، وعدنا نحو البداية، وتحديداً، إلى ماقبل هذه النرجسية.. /إلى مرحلة الغريزة الخالصة/.

فإن الإنسان بطبعه يابني، مخلوقٌ جبان، وإن أكثر ما يخشاه لو أردت الصدق، هو الموت الذي كنا نستخف به قبل لحظة.

وأننا ومنذ تلك الفترة، بدأنا بهذه الخدعة الكونية، واصبحنا من خلالها نطلق هذا المصطلح المستنزف على أحداثٍ حياتيةً من اختيارنا تجعلنا نتخيل أنفسنا متحلين ومتوشحين بها إلى ما لا نهاية.

وللصراحة ياولدي، فإنني حينما أفكر في كوني لم أجرب يوماً أن أقوم وأربط مابين هذه العبارت، أستخف نفسي واستغبيها لكوني غفلت عن هكذا أمر حتى قبيل لحظة النهاية.

ولكنني لحسن الحظ تداركت خطأي قبل فوات الأوان.

ودعني اقل لك يابني باختصار، أن الشجاعة: ماهي إلا القدرة على مجابهة مسلمات ومعتقدات الآخرين بالرفض والخلاف، حتى يتم التخلص من هذه الخدعة نهائياً.

وأن مبلغ الشجاعة ياعزيزي هو أن تكون مختلفاً عما يتوجب عليك أن تكونه وما هو متوقع لك أن تفعله.

 

-دعني أوضح لك الأمر:

لنفترض أنك الآن تقف أيضاً في ميدان حرب،ولأجعل الأمر أسهل، دعنا ننظر من حالة مثالية، الأطراف معروفة، الحق بيّن، والباطل بيّن، وإما النصر أو الهزيمة.

لو سألتك في لحظتها /ما الشجاعة؟/ لا بد وأنك ستقول "أن أقاتل في طرف الحق حتى أنتصر أو أموت".

وسأسير معك ولنقل أنه يمكن للأمر أن يكون كذلك، ولكن ماذا لو كنا في حالة غير مثالية، ماذا لو كانت الحروب كما التي نعيشها اليوم، بلا أطرافٍ ولا حقٍ ولا باطلٍ ولا نصر وكل السبل لا توصل أحداً إلا نحو الهزيمة، ولكن الجميع يتغنى بالنصر ويقوم بتوطيد أسس الخدعة التي بدأت منذ الأزل دون أن يشعر، ويخادع من حوله بحتمية النصر ويذم الجبن.

أتعرف مارأيي بالأمر حينها؟

إن الشجاعة هنا في أن تفعل العكس، أن تفر هارباً من ساحة القتال، أن ترفع يديك وتدخل مدينتك البعيدة الحالمة الواهمة، وأن تصرخ في وجه كل من تمر به .. /لقد هربت/

أيهما يتطلب قوة وثباتأ أكبر برأيك؟

وكنتيجة مختصرة: <أن تقاتل حتى الموت في هذه الحالة، وأن تجابه فطرتك المحبة للحياة لسبب لا يتعلق بأمر أهم من حياتك نفسها كإنسانيتك أو حريتك، هو يابني الخوف بعينه، هو الخوف من أن تكون جباناً ويُقال أنك كذلك، الخوف من تجربة شعور إذلال الهزيمة، والخوف من أن تعود مذموماً بدل أن تحمل على الأكتاف، وفي الأصل، ما هذا الخوف إلا نقيض الشجاعة وأول مبطلاتها>

 

وهذا ما لم أتمكن من فعله يابني، هذا مالم أتمكن من التحلي به.. "الشجاعة الحقيقية" والتي تتغير من موقف لآخر، بعكس ماقد تم ترسيخه في أذهاننا.

ولو أنني تمكنت من فعل ذلك وكل من معي فعلوا الأمر ذاته.. ما الذي سيؤول إليه الأمر برأيك؟

أنا سأقول لك.. "لن يكون هناك حرب من الأساس" ولن يكون هناك ضحايا، ولن تكون هناك هزيمة، ولن نكون أحجار لعبٍ في أية لعبة تمت حياكتها بدقة هائلة، بحيث تجعلنا غير قادرين على التمييز بين الصواب والخطأ، وحتى بين الحق ونقيضه، وكما تعرف فإن أية لعبةٍ مهما كانت عظيمةً لن تتعدى كونها حبراً وقواعد عقيمةً لا روح فيها، ولا طاقة لها على صنع دمارٍ مهما كان حجمه.

 

ولو أسقطنا جميع هذه الأفكار على واقعنا الذي نعيشه بكلّيته، فإننا ياولدي كائناتٌ سطحيةٌ أيضاً حتى القرار، نصنع الأحكام والاتهاماتبما يتناسب مع أهوائنا ومعتقداتنا البالية التي لا يمكن أن نقبل بعدم صحتها،ونحاول جعلها ذات قيمٍ عامة، مقيسة بمساطر وحسابات دقيقة، ولكننا ومهما حاولنا،ستبقى قيماً ذاتية، لا بد للمرء من اكتشافها في لحظة النهاية، حتى لو كانت محكومةًبالمنطق والواقعية، ولكن الحقيقة؟ هي في النهاية على العكس من ذلك تماماً.

 

                                                                        دمشق 6/8/2018

                                                                      فيصل الإبراهيم ..


اترك أثراً للكاتب: